رسوم على جدران المباني وأرضيات الشوارع، وأفكار في العقول ومشاعر تفيض حماسًا في القلوب، هكذا يمكنك أن تصف الحالة الإبداعية والثقافية في ميدان التحرير، الكائن بوسط العاصمة المصرية القاهرة، رمز الثورة المصرية وواجهتها، والذي كان -ومازال- محط أنظار العالم وكافة الوكالات الأجنبية خلال الفترة الأخيرة.
مساحة ابداع
نظرة عابرة على الميدان خلال السنة الماضية، ستعطيك فكرة عن مساحة الإبداع والثقافة التي يملكها الشباب، وهم كما يرسمون يسعون لاكتساب المزيد من الأفكار والمبادئ عبر القراءة في الميدان، وهي تجربة لمن عاشها فريدة، لها مذاق خاص؛ هناك على الأرض، وسط العشرات من الجالسين الذين يلتمسون الراحة واستعادة النشاط، يشحذ البعض عقولهم بمزيد من الأفكار والمعرفة، عنهم وعن الكتب التي يقرأون نتحدث في السطور التالية.
كتب ورسوم
نظرة سريعة على العناوين في يد الثوار على مدار أكثر من يوم، كان اللافت للنظر من بينها، كتاب «الإقطاع والرأسمالية الزراعية في مصر.. في عهد محمد علي إلى عهد عبدالناصر» لخليل كلفت، ودواوين شعرية لأمل دنقل، وكتب أخرى متفرقة للكاتب الساخر بلال فضل، والكاتب الصحفي عبدالحليم قنديل.
حامد فتحي، خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة يصف تجربة القراءة في ميدان التحرير بقوله: قرأت في الميدان أكثر من كتاب، وذلك خلال الأيام التي كنا نبيت فيها بميدان التحرير، فأنا وزملائي نضع القراءة في مقدمة اهتماماتي، وكان من بين الكتب التي قرأتها «هكذا تكلم زرادشت» لفردريك نيتشه، وكتاب «الديمقراطية في مصر» تجميع مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بينما كان أصحابي يقرأون كتاب شعر لأمل دنقل، وقد استعرته منهم وقرأته أيضًا.
الحاضر الغائب
ويتابع: كانت تجربة قراءة الشعر وبالذات لأمل دنقل تجربة فريدة حقًا، تختلف كل الاختلاف عن قراءة كتاب عادي موضوعه بعيد عن الميدان، فبينما كنت أقرأ أبيات شعر دنقل كنت أشعر بأني أعيش ما أقرأ وأصنعه بيدي، وكأن الديمقراطية بناء أشيده بنفسي مع من حولي، وكأن الظلم تجسد، ونهتف ضده.
الناقد مصطفى رزق، أحد ثوار الميدان، تحدث إلينا قائلاً: في أيام الاعتصام الأولى بميدان التحرير كان المناخ العام مدهشًا، كانت هي المساحة الحرة والآمنة الوحيدة في مصر، لا يحتاج الإبداع إلى أكثر من هذا ليتشكل في كل أنواعه. لم أجرِ أي أحاديث تقريبًا داخل الميدان طوال فترة الاعتصام، قضاء الوقت في الأيام الهادئة- كان بين مشاهدة ملامح نموذج الحياة المفتقد الذي نسعى إليه والقراءة التي كان لها أثر مختلف ومذاق جديد تمامًا، خاصة الشعر.
شعراء مع الثورة
ويضيف: قرأت شعرًا كثيرًا داخل الميدان، بداية من المتنبي إلى فؤاد قاعود مرورًا بكل الثائرين أمل دنقل ونجيب سرور وبدر شاكر السياب ومحمود درويش وفؤاد حداد، كان الشعر طاغيًا في كل أرجاء الميدان، متمثلاً في نمط التحرك فيه.. الشعر حر، وليس أفضل من الأرض الحرة وسمائها مكانًا لقراءته، اكتشفت الشعر من جديد داخل الميدان.
حدود وتصنيفات
ويكمل: كان الحوار نشاطًا سائدًا بين أهل التحرير في أيامه الأولى قبل أن يتبدل الحال وتظهر الحدود والتصنيفات، لا أعتقد أن القراءة كانت منتشرة، للظرف الخاص وللزخم الممتع في الحوار الذي طغى، لكني رأيت الشعر أعذب الحوار وأكثره ثورية، إلى أن تبدل الحال بعد التنحي وأصبح الميدان قصيدة تراوغ منشديها ولا تهدأ أبداً
مشهد
يرى البعض أن الميدان لا يتسع إلا للهتاف والتعبير عن الآراء السياسية فقط، وأن المشهد في الميدان لم يكن ليحتمل القراءة، محمد السرساوي، صحفي، يقول: عقلي بالكامل يركز على أحداث الميدان، ومشاهدة ما يحدث يساوي 100 رواية، وكتاب، في الوقت الذي أكون فيه في الميدان أشعر بأني أتحاور مع نفسي، حول أمور كثيرة، وتعصف برأسي الكثير من الأسئلة حول مشاركة الناس في أحداث الميدان المتعاقبة، وما سوف تؤول إليه الأمور.