رحل عن عالمنا الكاتب الأميركي المميز، روي برادبري، الأسبوع الماضي في مدينة لوس أنجلوس، ومن شدة اعتزازه بروايته التي أطلقت شهرته في عالم الأدب، أوصى أن يدفن في مقبرة الحديقة التذكارية في ويستوود فيليج، وأن يُكتَب على شاهدة قبره «مؤلف فهرنهايت 451».

والرواية تحكي عن قصة نظام شمولي يقوم بغزو العالم في المستقبل ويجعل التلفزيون دعاية سياسية له، ويقوم بحرق الكتب على درجة 451 فهرنهايت، هذه الدرجة التي يُفنى فيها كل شيء ولا يبقى له من وجود.

بطل الرواية هو رجل الإطفاء "مونتياج" يقوم بمطاردة مثقفة تدعى كلاريس، ولكنها قامت بجذبه وإقناعه بقراءة رواية جميلة، حيث كانت النتيجة سريعة إذ وقع هذا الرجل في حب التراث الإنساني العريق الذي لم يكن يعلم عنه لولا كلاريس. وبالتدريج يتمرد هو أيضا على السلطة. وهو أول كاتب رّد على الإرهاب الثقافي الذي مارسه السيناتور جوزيف مكارثي على الكتّاب والمثقفين في سنوات الخمسينات.

فانتازيا وخيال

في واقع الأمر، ثمة خطأ شائع في فهم أعمال الكاتب الأميركي الراحل ري برادبري، وهو الاعتقاد السائد بأنه كاتب خيال علمي، وهو ما ينفيه الكاتب بقوله فهو يقول "إنني لست كاتب خيال علمي، ولم أكتب سوى رواية خيال علمي واحدة وهي ــ فهرنهايت 451" أما بقية رواياتي وقصصي فهي "الفانتازيا" أي نوع من الخيال الذي لا يمكن أن تحدث، فيما تدور رواية الخيال العملي حول أشياء يمكن أن تحدث".

لذا فإن رواياته تخوض في الهم الإنساني في جميع جوانبه، مع التركيز على الخيال الجامح. فهو ليس بالكاتب المستقبلي التي يستشرف آفاق المستقبل الغامض، كما يؤكد بقوله:"لست مستقبلياً، عادة ما يسألني الناس لكي أتنبأ لهم بالمستقبل، وكل ما أريده هو منع حدوث هذا المستقبل".

 

ارتباط بالقديم

كان يكره الكومبيوتر، وظل يكتب على آلته الكاتبة القديمة حتى نهاية حياته. وكان يكره أيضاً الكتب الالكترونية، ويقول عنها "تفوح من الكتب الكترونية رائحة الوقود المحترق"، ورفض أن تُنشر رواياته وقصصه على الإنترنيت حتى العام الماضي حيث تم إقناعه بنشر روايته الشهيرة "فهرنهايت 451" على الانترنيت.

وظل مرتبطاً بكل ما هو قديم، إلا فيما يخص المخيلة الروائية التي كانت تتجدد على الدوام وفي ل رواية من رواياته.

يقول في هذا الصدد:"عندما ولدت في عام 1922، كما صرح بذلك إلى نيويورك تايمز ذات مرة، كان عمر السيارة آنذاك 20 عاماً فقط. ولم يكن للراديو والتلفزيون من وجود. ولدت بالذات في الوقت الملائم الذي أكتب فيه حول تلك الأشياء". وتأثر الكاتب الراحل برادبري كثيراً بالحكايات الخرافية وبكتّاب وأدباء هذا النوع من الكتابة، ومنهم الكاتب فرانك بوم مؤلف الحكايات الخرافية الشهيرة.

الكرنفال المظلم

كتب أول مجموعة قصصية بعنوان "الكرنفال المظلم" في عام 1947 وهي سرد حيّوي عن طفولته. ومن أعماله الهامة روايته "فهرنهايت 451" التي طرحت السؤال الخالد: هل التكنولوجيا التي صنعها الإنسان لصالحه يمكن أن تصبح ضده؟ وهو سؤال طُرح على مدى عقود، وأثار العديد من الجدالات الهامة في أروقة المؤسسات العلمية والاجتماعية، لكن الكاتب يؤمن رغم اضطرابات العصر بأن هناك روحاً تحفظ الأشياء حيّة، وذلك نابع من إيمانه بالثقافة الإنسانية".

ومن أسباب بروزه أيضاً شهرته كصاحب أسلوب أدبي وفني رفيع، وقدرته على الكتابة الغنائية واستحضار جزر الخيال البعيدة، من خلال إحساسه البصري ورؤيته الثاقبة.

كما يقول الناقد سام موسكوفتش،"قلما يضاهيه كاتب في الأسلوب، فهو المتفرد الذي يروي القصص والحكايات عن الكواكب الأخرى مثل المريخ والزهرة وغيرهما، في أسلوب يحاكي كل ارنست همنغواي وتوماس وولف".

وقد تأثر بعدد من الكتّاب والأدباء منهم: جورج بيرناردشو ووليم شكسبير وجول فيرن وادغار رايس بورغوس وغيرهم. والشيء المهم حول الكتّاب والأدباء هو كيفية وجودهم في ذاكرتنا، كما يقول يقول الناقد جورج بيفورد. روي برادبري احتل الخيال العلمي في أذهان العالم وهو ما لا يمكن أن نزيحه بسهولة حتى لو أنه يعترف بأنه لا يكتب الخيال العلمي، فيما عدا روايته الشهيرة "فهرنهايت 451"، بل يكتب في الخيال الإنساني من أوسع أبوابه.

 

سيرة

 

ولد روي برادبري في مدينة ووكيغان في مقاطعة ليك بولاية إلينوي الأميركية في 22 أغسطس 1922، وانتقلت عائلته إلى لوس أنجلوس في سنة 1934 في فترة الكساد الكبير.

وبعد أن ترك المدرسة عمل في بيع الصحف، إضافة إلى التأليف في أوقات الفراغ. بدأ ينشر مؤلفاته من مطلع أربعينات القرن العشرين، حيث نشر أول قصة له في سنة 1941. ومن مؤلفاته الشهيرة رواية فهرنهايت 451 في سنة 1953 التي منحته الشهرة العالمية.