تجدّدت في مصر الدعوات المطالبة من جانب المثقفين بإلغاء وزارة الثقافة، والعمل على استقلال الهيئات والقطاعات الثقافية القائمة، أو دمجها جميعاً في هيئة مستقلة، معللة موقفها بأن الوزارة بجهازها الإداري غير المجدي أصبحت عبئاً على الثقافة والمثقفين، في الوقت الذي اجتمعت آراء أغلب الوزراء الذين تولوا حقيبة الثقافة بعد الثورة خلال استطلاع «البيان» لآرائهم حول أهمية هذه الوزارة وضرورة الإبقاء عليها.. مؤكدين أن لها دوراً كبيراً في تثقيف الجماهير وتغيير وعيهم، في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية القائمة.
دور الوزارة
وزير الثقافة المصري الأسبق د. عماد أبوغازي، الذي تولى الوزارة عقب قيام ثورة 25 يناير، وتحديدًا منذ 5 مارس 2011، وحتى تقديمه استقالته في 20 نوفمبر من نفس العام؛ أيّد استمرار وزارة الثقافة، وقال إن رؤيته في أثناء فترة توليه للوزارة تمثلت في أن يتغير دورها تدريجياً، فمهمة وزارة الثقافة من وجهة نظره هي تيسير تقديم الخدمة الثقافية للمواطنين، والحفاظ على التراث الثقافي، وتشجيع الصناعات الثقافية. وأضاف أبوغازي: في إطار هذه المهام الثلاث تحتاج الدولة إلى جهاز يقوم بها، هذا الجهاز هو وزارة الثقافة، وليس من المنتظر أن يتحسن أداء الهيئات التابعة لوزارة الثقافة في حال انفصالها عن الوزارة؛ لأن هذه الكيانات مترابطة، وتحتاج إلى شكل من أشكال التنسيق فيما بينها، بل إنه لم يكن صحيحاً أن تنفصل وزارة الآثار عن وزارة الثقافة، فلا بد أن يعود المجلس الأعلى للآثار إلى وزارة الثقافة.
دور ثقافي
الدكتور جابر عصفور أول وزير للثقافة بعد ثورة 25 يناير، أكد أن استمرار وزارة الثقافة أمر شديد الأهمية، وقال: كل دول أوروبا بها وزارات ثقافة، فمثلاً في إنجلترا هيئة الـ «بي بي سي» هي هيئة مستقلة، ومن حق أي شركة أن تشارك في تقديم الخدمة الإعلامية، ولكن فيما يتصل بالثقافة، هناك وزارة ثقافة في المملكة المتحدة ووزير ثقافة، ونفس الحال في إيطاليا وفرنسا وأغلب دول أوروبا الشرقية. وأشار إلى أن وزارة الثقافة لا تقل أهمية عن وزارة التربية والتعليم؛ لأنها هي الحافظ الأمين على تراث وذوق ووعي الشعب في مختلف البلدان، غير أن المهم أن نفهم الدور الحقيقي لوزارة الثقافة، من حيث التوجه إلى وعي الناس، والرفع من مستواهم الفني والجمالي والفكري، وعلى أساسها يتم رعاية التراث الجمالي للأمة والآثار الإبداعية الحديثة، وتشرف عليها وتوجهها وتخططها.. لافتاً إلى أنه من الممكن لبلد في غاية التقدم والتطور، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، أن تستغني عن وزارة الثقافة بهيئات فرعية، ولكن بالنسبة إلى العالم الثالث، وحتى أوروبا، فإن وزارة الثقافة تعد في غاية الأهمية.
رقابة ومشروعات
واستطرد عصفور قائلاً: إذا افترضنا مثلاً أننا قمنا بحل وزارة الثقافة، وتركنا مهمة نشر الكتب للقطاع الخاص، فالناشر الخاص سينشر ما يحقق الربح فقط، بغض النظر عمّا يحقق الفائدة، وعلى هذا الأساس كل مشروعات الترجمة ستتقلص، وتقتصر على ترجمة الروايات الجنسية، حتى يكون لها عائد جماهيري، ولن يغامر الناشر الخاص بإقامة مشروعات كبيرة مثل ترجمة الموسوعات، فهذه هي مهمة الدولة؛ ومثلاً، إذا كان التيار الغالب هو الجماعات الإسلامية، فلن يتم نشر الكتب إلا تلك التي ترضي الجماعات الإسلامية، وبهذا الشكل ستحرم الجماهير من الكتب التي تغذي وعيهم، ومن ثم تؤكد حضور الدولة المدنية.
إنجيل الثورة
وينضم الشاعر والناقد د. حسن طلب أستاذ الفلسفة بجامعة حلوان، وصاحب ديوان «إنجيل الثورة وقرآنها»، إلى المؤيدين لاستمرار وزارة الثقافة؛ شريطة أن يعي وزير الثقافة الدور الذي ينبغي أن تقوم به الوزارة في هذه المرحلة. وقال: وزراء الثقافة السابقون منذ الثورة حتى الآن ـ الأربعة الأوائل منهم تحديدًا ـ لم يستوعبوا هذا الدور، ولم يقدموا شيئاً يذكر، بينما الوزير الأخير د. محمد صابر عرب هو وزير مختلف عن سابقيه؛ لأنه يعي هذا الدور، ولديه مشروع حقيقي لتطهير الثقافة مما علق بها.