جاء من غزة في فلسطين ليكمل رسالته الانسانية رسالة الحرف وابجدية اللغة ليستقر في صحراء الامارات مؤثرا على نفسه ترك حياة المدن الى حياة اخرى صحراء وبحر لم تكن الطفرة الاقتصادية قد اعلنت وصولها بعد فقط امكانيات الحاكم والشعب ..
قرأ الرسالة جيدا حاكم يهب نفسه للشعب وشعب تواق للانتقال من حياة الصيد والشظف الى حياة ارتسمت ملامحها في ما بعد ليكون رفيق سعيد جعرور شاهدا عليها مخرجا اجيالا اصبحوا في ما بعد رجالات دولة يخدمونها اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وامنيا ...
في 18 مايو 2012 ارتحل ضيفنا الى جنان ربه موصلا رسالته التي كاد يكون بها رسولا رحل تاركا وراءه سيرة عطرة تحمل بين سطورها معاني العطاء والوفاء ، الاستقامة والانضباط ، تلك المفردات المتجذرة في شخصيته والتي نقلها معه من غزة إلى الامارات عندما جاء في عام 1958 إلى دبي عن طريق بعثة تعليمية من دولة الكويت ،التي تعاقدت معه ليدرس في دبي ،حيث كانت وزارة التربية والتعليم الكويتية آنذاك مسؤولة عن التعليم في الامارات.
في هذا اللقاء يرحل منصور ابراهيم جابر "ابو مصعب" عبر قراءة لذاكرة حملت الكثير من الصور والاحداث وعايشت التحولات الكبرى في تاريخ الدولة.
بدأ يروي قصة رفيق دربه المرحوم رفيق سعيد جعرور قائلا : سجل رفيق جعرور حافل بالعطاء وبصمته جلية في قطاع التعليم في الامارات ولا يمكن اختصاره في لقاء أو عبر سطور ،نعزي انفسنا دائما عندما نتذكر اعماله وما قدمه في مسيرة التعليم في امارة دبي والغيرة والحماس اللذين عمل بهما خلال مسيرة حياته ،رحل جسده ولكنه باق في ذاكرة كل من عرفه وكل من تتلمذ على يديه، إنه معلم وأب للجميع ،احب الناس فاحبوه ،كان يؤمن بأن التربية اساس بناء النشء الصالح في المجتمع وشعاره التربية قبل التعليم ،تميز بشدة الانضباط والعطاء وعزز هذه الجوانب في طلابه الذين زرع فيهم روح النظام وحب العلم.
ويتابع أن الراحل رفيق جعرور علم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وأخاه سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية وسمو الشيخ احمد بن راشد آل مكتوم والعديد من كبار الشخصيات في دبي.
مدرسة الشعب
جاء جعرور إلى دبي وعمل مدرسا في مدرسة الشعب وكان آنذاك في مدرسة الجميرا وبعد أن ينتهي الطالب من الصف الرابع الابتدائي ينتقل إلى مدرسة الشعب وضمن أول دفعة تخرجت من هذه المدرسة الفريق سيف الشعفار وكيل وزارة الداخلية ومعالي الفريق ضاحي خلفان قائد عام شرطة دبي الذي يصفه منصور جابر بأنه كان طالبا نجيبا ومهذبا ويحسن الاستماع ويتأنى في الاجابة ، وضمت هذه الدفعة ايضا رجل الاعمال جمعة سيف بخيت .
وبدأ رفيق جعرور عمله مدرسا في مدرسة الشعب التي بناها المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم "طيب الله ثراه " بتبرع بمبلغ مالي إلى جانب تبرعات من أهالي دبي ولذلك سميت المدرسة بهذا الاسم لأنها بنيت بتبرعات شعب دبي وحاكمها وبدء التدريس فيها العام الدراسي 1959 -1960 .
جسدت مدرسة الشعب في ذلك الوقت، الواقع الذي نعيشه الآن ،حيث انطلق الشباب وفي مقدمتهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في مسيرة جادة وواعية ومتألقة في العمل ،وهذه المسيرة جسدت صورة المجتمع الواعي والمتدفق حيوية ونشاطا ،وكانت هناك انشطة مصاحبة للعملية التعليمية كان المنسق العام لها رفيق جعرور الذي كان يدفع الشباب إلى التعاون والايثار والتآلف.
حب دبي
ويصف منصور جابر صديقه الراحل بأنه لم يتوان في تقديم كل ما بوسعه لطلابه والمسيرة التعليمية ،فاحب العمل في دبي وكأنها بلده ،اهتم بالسجلات المدرسية وكشوف الامتحانات ،وشكل لجنة كانت تقوم بتدقيق السجلات الدراسية في منتصف العام الدراسي ونهايته ،وكان التعليم في هذه الفترة غير مكتمل ومشرف مكتب الكويت على التعليم في المناطق الشمالية كان محمد عبد الرحمن النوري.
هدف المرحوم كان الوصول إلى التميز والابداع في رعاية الابناء في ذلك الوقت ،وعمل جاهدا على فهم النظم التعليمية من اساليب التدريس ونظم الامتحانات وشؤون الطلبة فكان مرجعا وحيدا في تفسير النظم التعليمية للعاملين في مدارس الامارات في تلك الفترة ،حيث ادرك جعرور مستقبل التعليم وآثاره الايجابية على الدولة ،هذا الأمر دفعه إلى رفع مقترحات للمسؤولين في مكتب دولة الكويت في دبي لتدقيق السجلات المدرسية وكشوف درجات نتائج امتحانات الطلاب قبل رفعها إلى وزارة التربية والتعليم في الكويت بهدف تلافي الاخطاء، وشدد في اقتراحه على أن يحتفظ المكتب بنسخة من السجلات المدرسية وكشوف الدرجات ونسخة في المدرسة ونسخ ترسل إلى الوزارة في الكويت.
غيرة في العمل
يتابع منصور جابر فيقول إن ظهور رفيق جعرور وتميزه في آرائه وافكاره وغيرته على العمل دفع المسؤولين في مكتب الكويت بدبي إلى نقله من ناظر مدرسة الشعب إلى مكتب محمد حمد الحميدي المشرف العام على التعليم بدبي في 1970 ،ومضى جعرور في رعاية شؤون التعليم في الامارات النامية بنزاهة ووعي واخلاص ، وعزز افكاره بدقة واحتفظ بنسخ من السجلات الدراسية وكشوف الامتحانات ،وكان يؤسس ويجهز إلى استلام شباب الامارات للمسؤولية برؤية نافذة وادراك واع وحب للمهارات الذي تمنى أن يرى التعليم في الدولة بأياد اماراتية وعندما قام الاتحاد في 2 ديسمبر 1971 تشكلت لجنة برئاسة محمد سعيد الملا وزير المواصلات السابق وعضوية الدكتور عبدالله عمران وزير التربية والتعليم السابق وقامت اللجنة بشكر الدول التي ساهمت في التعليم في الامارات ،و في 23 سبتمبر 1972انتقلت الملفات والسجلات الرسمية التي اسسها جعرور إلى وزارة التربية والتعليم وكانت ملفات في التعليم والصحة والاعلام.
ملفات كاملة
ويمكن القول إن الدكتور عبدالله عمران عندما تسلم منصب وزير التربية والتعليم تسلم ملفات كاملة في ما يخص التعليم كان لرفيق جعرور الفضل الكبير في تجهيزها واعدادها .ويشير منصور جابر إلى أن أكبر المآثر للمرحوم جعرور أنه كان دقيقا في فهم النظم التعليمية وترسيخها في المنطقة وتحويلها إلى دولة الامارات ،ووصفه معالي محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي عندما جاء إلى العزاء بأنه كان أحد بناة التعليم في الامارات.
وخلال استعراض منصور جابر لمسيرة جعرور تطرق إلى العديد من الاشياء التي كانت في دبي سابقا منها أن موقع برج خليفة الحالي كان في السابق مدرسة راشد العسكرية الوسطى وكانت عبارة عن 24 خيمة منها 12 خيمة للسكن و12 خيمة للفصول الدراسية ،وتطرق إلى كيفية انتقال الطلبة إلى المدارس في تلك الفترة وقال إن أولاد الجميرا كانوا يأتون في سيارة "بي كاب".
والد للجميع
بدوره بدأ عمران رفيق جعرور الحديث عن والده بصوت خافت يعتريه الحزن على فقدانه فقال إن والدي لم يكن مدرسا فحسب بل كان أبا لكل طالب والطلبة يشعرون بأنهم يتعاملون مع والدهم وليس مدرسا يعلمهم في الصباح كان يعلم الاطفال وفي المساء مع آبائهم في مجالسهم ،وثمة وفاء كبير من معالي الفريق ضاحي خلفان قائد عام شرطة دبي تجاه الوالد وهذا ليس بغريب على هذه الشخصية المتميزة التي دائما تذكر والدي بالخير وبلمسة محبة ووفاء وتقول عنه إنه معلم وأب في الوقت ذاته .
ويتابع عمران حديثه عن والده ويصف معاملته الممزوجة بالطيبة الشديدة والاصرار القوي على التعليم والاستقامة والحث على أداء فروض الصلاة جميعها والوفاء والتفاني في العمل.
والحقيقة أنه تآلف مع دبي وطبيعتها وأصبحت جزءا لا يتجزأ من حياته واعتبرها وطنه الأول والاخير وعندما عرض عليه رئيس مجلس التعليم الكويتي الشيخ بدر محمد الاحمد الجابر الصباح العمل في الكويت رفض وقال له انا مثل السمكة لو خرجت من البحر تموت ،فطلب منه الشيخ بدر ترشيح أحد المعلمين فرشح له صديقه منصور جابر.
وحصل الوالد على جائزة خليفة بن زايد للمعلم في 1997 تقديرا لإنجازاته الواضحة وجهوده الكبيرة في مجال التربية والتعليم في الامارات.
سيرة ذاتية
مدرس ابتدائي واعدادي في مدرسة الإمام الشافعي بغزة للعامين الدراسيين 1957-1958 و1958-1959.
مدرس ابتدائي في مدرسة الشعب المتوسطة في دبي للأعوام الدراسية 1959-1960 و1960-1961و1961-1962.
مشرف في مدرسة الشعب المتوسطة في دبي من 15/9/1962 إلى 14/9/1965.
وكيل مدرسة الشعب المتوسطة في دبي من 15/9/1965 إلى 1/2/1971.
مسؤول شؤون الطلبة في مكتب دولة الكويت في دبي من 2/2/1971 إلى 31/8/1972.
موظف فني في ادارة التقويم والامتحانات في وزارة التربية والتعليم بدبي من 1/9/1972 إلى 30/9/1977.
موجه في إدارة التقويم والامتحانات بدبي من 1/10/1977 إلى 12/2/1988.
موجه أول في إدارة التقويم والامتحانات بدبي من 13/2/1988 إلى تاريخ استقالتي في 23/5/2000، بسبب كبر السن والمرض.
كان يحلم في إنشاء مدرسة لرعاية الموهوبين
يقول بشار رفيق عمران كان حلم والدي أن توجد مدرسة لرعاية الموهوبين والطلبة المتميزين ،وسيرته الحافلة جعلت الكل يحترمونه ويقدرونه وأينما نذهب أنا وأخوتي عندما تعرفنا الناس أننا ابناء رفيق جعرور يثنون عليه وعلى فضله في التعليم ويتابع إن والدي ووالدتي رحمهما الله التي كانت ناظرة في مدرسة خولة أعدا في عام 1989 نبذة عن التعليم في امارة دبي في مراحله الأولى ،ووفقا لهذه النبذة فإن التعليم النظامي بدأ لأول مرة في دبي في العام الدراسي 1956 1957 عندما أرسلت الكويت مدرسا اسمه هاشم أبو عمارة للتدريس في المدرسة الاحمدية التي شيدت في 1912 على نفقة المرحوم أحمد بن دلموك في منطقة الرأس في ديرة لتعليم علوم الدين واللغة العربية والحساب .
وفي العام الدراسي المذكور تم التعاقد مع حسن الموسى للعمل مدرسا في المدرسة المذكورة على حساب حكومة دبي وقامت معارف الكويت بتزويد التلاميذ بالكتب والقرطاسية وخلافه ،ولم يستمر هاشم ابو عمارة طويلا في دبي واستمر حسن الموسى لمدة عامين دراسيين فقط ،ثم استقال وسافر ،وفي بداية العام الدراسي 1957 -1958 ارسلت معارف الكويت زهدي الخطيب بدلا من هاشم أبو عمارة وقد استطاع الخطيب اقناع أهالي دبي بتعليم الفتاة وتم افتتاح أول مدرستين للبنات في العام الدراسي 1958 -1959 ،مدرسة الخنساء في ديرة في منزل الشيخ حمدان ومدرسة خولة في الشندغة في منزل الشيخ سعيد آل مكتوم.
كما تم افتتاح مدرسة ثانية للبنين في الجميرا هي مدرسة آل مكتوم وفي العام الدراسي 1959 1960 كان يوجد في دبي اربع مدارس وهي :مدرسة الشعب من ثالث ابتدائي وحتى رابع متوسط ،المدرسة الاحمدية من أول ابتدائي وحتى رابع ابتدائي، مدرسة آل مكتوم من أول ابتدائي وحتى رابع ابتدائي ، المدرسة السعدية أول وثاني ابتدائي فقط ،إلى جانب مدرستين للبنات ،مدرسة خولة وبها أول وثاني وثالث ابتدائي ،مدرسة الخنساء وتضم صفوف الاول والثاني والثالث الابتدائي.
العمل بها خلال العام 1959 -1960 وقامت الكويت ببناء مدرسة ثانوية دبي والتي بدأ فيها التدريس في العام الدراسي الذي يليه وهذه أول مدرسة تبنيها الكويت في دبي وبها القسم العلمي فقط ،أما القسم الأدبي فكان في مدرسة العروبة في الشارقة ،وظل الدوام على فترتين صباحية ومسائية حتى نهاية العام الدراسي 1959- 1960 ثم اصبح دوام المدرسة فترة واحدة منذ العام الذي يليه وكانت الكتب والمناهج التي تدرس في دبي هي نفس التي تدرس في الكويت.


