يتوسط مبنى "فوكسا" بطبقاته الثلاثين قلب العاصمة الكوبية هافانا، ويعتبر الأعلى في المدينة الكاريبية، أما بركة السباحة فيه فقد كانت مسرحاً اختارته الفنانة غليندا ليون (هافانا، 1975) الأسبوع الماضي، لتعرض عملها التركيبي التفاعلي "حلم الصيف، أفق التخيل"، الذي تشارك به في البينالي الحادي عشر الذي يقام حتى 11 يونيو المقبل في هافانا. على كل جانب من البركة علقت لوحة موسعة لخرائط شواطئ ميامي وهافانا، حيث راح ينتقل عدد من السباحين العفويين من طرف إلى آخر من البركة، ولتعميق مشهدية العمل، دعت الفنانة نحو عشرين صحافيا لرؤيته من شرفات الطابق الحادي عشر للمبنى، وكان الموعد عند الساعة 11 صباحا، لكن الذي بدأ في تلك الساعة كان أداء حقيقياً، شكل استعارة ترمز إلى أين يمكن أن تصل البيروقراطية الفارغة لنظام زائل لا يشغله سوى المراقبة والحظر، حسب صحيفة" الباييس" الإسبانية.

ممارسات فنية

غليندا ليون واحدة من الفنانين الـ180 من 43 بلدا الذين شاركوا في هذه الدورة من بينالي هافانا بعنوان "ممارسات فنية وتخيلات اجتماعية"، التي تعد الدورة الأكثر انفتاحا على الأماكن العامة على الرغم من أن مقراتها الرئيسية لا تزال "متحف ولفريدو لام"، ومسرح هافانا الكبير، ومتحف الفنون الجميلة، وقلعة " لا كابانيا "، ومتحف "رون هافانا كلوب" وكورنيش " الملكون" المطل على الكاريبي. ليون، التي تؤكد أن فنها ليس سياسيا والتي تقول" أنا أضحك من السياسة، أنا أهتم بحالة التفاعل"، تتنقل في حياتها بين الجزيرة وبين مدريد وبرلين ونيويورك وباريس، حيث تقوم بعدد من الدراسات.

صالات عرض

كما هو حال الكثير من الفنانين الكوبيين الشباب، فإن علاقات غليندا ليون مع صالات عرض فنية أجنبية أو تمتعها بمنح من مؤسسات عالمية تشكل بالنسبة لها ضمانة للسفر خارج البلاد والعيش في ظروف مغايرة للغاية عن ظروف مواطنيها، بينما يحرص الفنانون الكوبيون على المشاركة في البينالي بسبب الحضور الأكيد لعشرات هواة جمع الأعمال الفنية من الأميركيين الذي يديرون ظهورهم دورة بعد أخرى للحصار الذي تفرضه حكوماتهم المتعاقبة على الجزيرة. في البينالي لا يباع ولا يشترى، لكن الصفقات مضمونة، حيث يتصدر زبائن النخبة قائمة المشاركين الأجانب على غرار إيلا فونتاناليس سينيروس، التي تعرض لأول مرة مجموعتها من الفن المعاصر هذه الأيام في كوبا، وتتكون من 50 قطعة فنية لفنانين شباب من مختلف أنحاء العالم مثل مارينا أبراموفيتش و"إي وي وي".

قراءة نقدية

أليكسيس ليفا كشو من مواليد عام 1970، هو أحد أشهر الفنانين داخل الجزيرة وخارجها، وأعماله التركيبية تنطوي على قراءة نقدية واضحة للنظام الذي يرفضه الفنان بشدة، وفي القلعة الاسبانية التي تعود إلى القرن السابع عشر" لا كابانيا" يعرض مئة قارب بأحجام مختلفة تستحضر هرب أعداد كبيرة من الكوبيين إلى شواطئ ميامي، بينما أنشأ في المسرح الكبير رصيفا بعصوين تشيران إلى الأفق، لكنه يقول إنه ليس هناك من قراءة أخرى غير السخرية قبالة البحر، وهي حالة نفسية ربما يعيشها سكان جزر العالم.

الفنانون الكوبيون الشباب يعيشون في ظروف أفضل من ظروف مواطنيهم، لا سيما وأن بعضهم يعيش خارج كوبا مثل ألكسندر أريشيا المقيم في مدريد الذي يعرض في البينالي عشرات الأعمال التي تدعو إلى التفاهم والحوار، بينما يأتي الكثير من الأجانب من بلدان افريقية وأميركية لاتينية وبعضهم من اسبانيا، مثلما تشارك العديد من صالات العرض الأجنبية، فيما يلاحظ أن الفهم المفاهيمي يسود بين الأعمال التي أبدعها فنانون ولدوا في سبعينيات القرن الماضي، والذين تكتسب المرأة حضورا متزايدا في أوساط الفنانين الذين تختلط موادهم بين الرسم والنحت والتصوير.

حضور كبير

شهد البينالي حضوراً كبيراً من الأفراد والمؤسسات، قدموا من بلدان أفريقية وأميركية لاتينية وبعضهم من إسبانيا مثل غاليري "ماكس استريا" و"نوغيراس بلانشارد" اللتين ترافقان فنانيهما المشاركين في البينالي، بينما تعرض غاليري " أليكس نوغيراس" أعمالا للفنان ولفريدو برييتو (هافانا، 1978) المقيم في نيويورك والذي يعرض" دائرة حزينة"، حيث يوضح أنه أراد التقاط اللحظة التي تظهر فيها فقاعة العرض متجمدة ومتورمة.

تمرد

ليساندرا إيزابيل ابنة 23 عاماً من أكثر الفنانين المشاركين شبابا، وهي ابنة فنانين وتعرض عملاً تركيبياً من نوع خاص ينغرز فيه الرسم بالقرميد ويلعب على فكرة الحق في الحياة الخاصة، وهي تشكل جزءا من جيل من المبدعين أخذوا يجدون تسهيلات أكثر من التي حظيت بها أجيال سابقة، حيث يبدو النظام الشيوعي في الجزيرة أكثر وعيا لجهة تزايد أعداد الفنانين "الضائعين"، مما حدا به إلى أن يجعل الحياة عليهم أقل صعوبة طالما أن أعمالهم لا تحمل طابع المواجهة المباشرة.