شكلت الصالونات الأدبية، منابر للقراءات المعرفية والنقدية. استثمر فيها القائمون على تلك الملتقيات، استعراضا نوعيا لكتب عربية ومترجمة.

باعتبارها تساهم في صقل العلاقة بين مخزون الكتب والقراء، مُصنعا فعلاً محركاً لمنتوج الفكر العربي والغربي.

وارتأينا في هذا المقام، البحث في حضور الكتاب المترجم، ومدى اهتمام الصالونات الأدبية في التعريف به، ودعم تعريف محتواها للجمهور العربي محليا. وقد أكد متابعون لحركة الصالونات الأدبية في الإمارات، أن الصالون يمثل عيونا تمارس أدوات الانتقاء وتقديم الكتاب المترجم للقارئ، مشكلة نقلة نوعية، ينقصها استمرارية الضخ الدائمة، لأن العملية لا تزال محصورة في فترات متباعدة، ولا تخضع لمنهجية دائمة تتبعها الصالونات.

مبينين أن هناك عوامل ذاتية وثقافية، في الصالون الأدبي الواحد، لا تزال تحدد طبيعة انتقاء الأفراد للكتب المترجمة.

 

تمازج ثقافات

أسست الأديبة الإماراتية كلثم عبدالله منذ عام 2002 نموذجا لصالون أدبي، يتخذ من ندوة الثقافة والعلوم بدبي مقراً له. وحدد كل أربعاء في بداية كل شهر، يوما لإحداث لقاء يجمع بين نخبة من المثقفين الإماراتيين، إلى جانب دعوة عامة، تستهدف الشباب بدرجة أولى. وقالت كلثم حول الصالون: "الصبغة الأدبية والفنية، هي الدافع القوي للملتقى، فهو يجمع بين 20 إلى 30 شاعرا وروائيا ورساما وإعلاميا وموسيقيا، من أكثر من 14 جنسية مختلفة، نسعى فيها إلى قراءة أنفسنا والآخر، متبنين فعل الثقافة عبر الحوار".

وحول تناول الكتب المترجمة في الملتقيات الأدبية أكدت عبدالله: أنها لا تزال غير مفعلة، توازيا أمام الكم الإنتاجي والنوعي لها. ولكنهم سعوا في صالونهم الأدبي: لتنظيم مجموعة من القراءات ضمن برنامجهم الشهري، مؤمنين بأهمية مبدأ التمازج بين الثقافات.

وأشارت عبدالله إلى أنهم تطرقوا إلى إصدارات أدبية لمغتربين من مثل أمل جبوري، الهادف إلى كشف أعماق الحراك الثقافي العربي، خارج نطاق المنطقة العربية، وتعزيزا للحراك الثقافي في الإمارات، والبلدان العربية. ولفتت في هذا الصدد، إلى أن الصالونات الأدبية حققت مزيجا لحوار حضاري، قادر على تحقيق الثراء والإثراء عن طريق التفريغ وإعادة الشحن للمبدعين المشاركين.

 

تحديات

من جهة أخرى، فإن تناول الكتاب المترجم يعد أولوية، تواجه تحديات، من ذلك ما لفت إليه علي بن تميم مدير مشروع "كلمة"، التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، حيث قال: "إنه في ظل غياب حركة النشر والتوزيع في العالم العربي، فإن الصالونات الأدبية تصنع واقعا حيويا اتجاه التواصل مع الإصدارات المترجمة". معتبرا أن الاهتمام الكبير لمشروع كلمة للترجمة، جاء نتاج صناعة لغة واحدة، تجمع بين مختلف القراء المهتمين بالشأن الثقافي لإنتاجات الدول الغربية.

وفي سياق مساهمة الصالون الأدبي، في تحقيق مكانة عميقة، وحاجة متجذرة للتبادل الثقافي، باهتمامها بالكتاب المترجم، أشار بن تميم، إلى أن مستوى دعم الصالونات الأدبية لحضور الكتاب المترجم للقارئ العربي، يستطيع تقديم دراسة ميدانية مجانية، بطبيعة تكوينات الأفراد المشاركين في هذه الصالونات الأدبية، ويقصد هنا بالتكوينات: قيمهم الثقافية، وتوجهاتهم المعرفية، ورؤيتهم الأدبية المتعددة، وإقبالهم على أجناس أدبية معينة، إضافة إلى تنويهها علنيا إلى أكثر الكتب المترجمة المتداولة في الأوساط المثقفة في المجتمع.

 

احتفاء بالترجمة

ويفسر بن تميم توصله إلى التقدير السابق ذكره لدور الصالونات الأدبية، بعيدا عن الهدف الاعتيادي لها، أتى بناءً على مدى قابلية الأفراد في تشكيل تجمع يتبنى مشروعا ثقافيا مشتركا، وحاجة فعلية للمعرفة وتطويرها، لافتا إلى أننا نستطيع اعتبارها مقياسا لفعل القراءة. ولفت بن تميم إلى أن الحديث عن الكتاب المترجم، باب يحقق الاحتفاء بالترجمة، و يعد تحقيقا للإبداع بملامسة جمالياته السردية والحوارية، تعزيزا للكشف والنقد والبحث عن الجودة فيها، مضيفا دورها المنوط أيضا بإفراز عقبات تطوير اللغة العربية.

 

صالون إلكتروني

 

وسائل الإعلام الإلكترونية باستخدام التكنولوجيا المتعددة، ساهمت في نقل المعرفة وتعزيز حضورها للمستخدمين، بصورة سريعة، ودون الحاجة لصناعة مكان أو ملتقى، وخاصةً في ما يتعلق بالكتب المترجمة، وبشكل مفيد، نوعا ما، بل ولعبت دور الانتقاء، مشكلة صالونا أدبيا إلكترونيا. يقدم للمراقب والمتتبع، إمكانية وضع فرضية، تخفض من نسبة نجاح الصالون الأدبي الحقيقي، وتصنيفها بالدعائية فقط، والشكل الثقافي، في خضم الثورة المعلوماتية. محققة بذلك إحياء متجدداً لجدلية العالم الافتراضي والحقيقي، وأيهما الأقدر على تعزيز منظومة الثقافة في العالم العربي.