احتضنت القاهرة مؤخراً احتفالية كبرى لتأبين الراحل ثروت عكاشة أقامها المجلس الأعلى للثقافة بالتعاون مع المركز القومي للترجمة، وبحضور عدد من الكتاب والمفكرين الذين تحدّثوا عن عكاشة كإنسان ومفكر ومترجم قدّم إسهامات جليلة في الحياة الثقافية وأثرى هذه الحياة بالفنون والكتب والترجمات.

 

رجل استثنائي

خلال الاحتفالية، تحدث الدكتور سعيد توفيق، أمين العام المجلس الأعلى للثقافة، عن عكاشة، حيث قال: "نجتمع اليوم؛ لكي نتأمل دلالة الراحل ومكانته في الثقافتين المصرية والعربية، وعلى الرغم من أننا نتفهمه باعتباره رجلاً عسكريًا، إلا أنه أسس صرحًا من الثقافة المتحررة من طبيعة الحياة العسكرية الملتزمة بالطاعة والمحافظة على النظام، وفي ذلك مفارقة، وهو أيضًا مؤسس لحرية الثقافة في ظل نظام ديكتاتوري، وفي ذلك مفارقة أخرى".

من جانبه، قال وزير الثقافة المصري د.شاكر عبدالحميد: "إننا نجتمع اليوم للتأبين والتذكر والحزن والشجن على ما فقدناه، وأيضًا يحمل هذا الحفل وجه الاحتفال، والفرح بهذا المصري العبقري، الذي يعتبر واحدًا من جيل البنائين العظماء للثقافة المصرية والعربية".

وتابع: أعتبر دوره في مسيرة الثقافة أشبه بدور محمود مختار في النحت، ومحمود سعيد في الرسم، وسيد درويش في الموسيقى، فقد أسس عكاشة مدرسة مصرية فريدة ونادرة في الكتابة والتأريخ، ويصعب أن يوجد نموذج يحاكي هذا الإنجاز المتمثل في ثروت عكاشة، فهو رمز من رموز النهضة، التي تمزج بين القول والفعل والرؤية والإنجاز، ومساهماته تتنوع كمًا وكيفًا، ويعجز اللسان أن يحصى إنجازاته الكثيرة.

 وأوضح وزير الثقافة المصري أن هذه الإنجازات تتنوع كمًا وكيفًا، فكان عكاشة غزير الإنتاج الثقافي، وكان متميزًا في التأليف والترجمة والمشروعات الثقافية، فهو مثال فريد ونادر للثقافة؛ لدرجة يمكن القول إنه أنجز من حيث الكم الكثير، أما من حيث الكيف فأعماله تتميز بالأصالة والتنوع والجدة في الأفكار، ومن النادر أن نجد مثلها، فكتاباته عن فنون الشرق والغرب وعن الفن الإغريقي، والفن المصري القديم في العمارة والرسم وصولاً إلى عصر النهضة، وعن فنون ومدارس عصر النهضة كتابات لا مثيل لها.

 

ثلاث صور

أما د.أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسي، فتحدث عن شقيقه ثروت عكاشة، قائلاً: "تعلمت منه الكثير، كان يريد الإتقان في تربيتي ويشد عليّ؛ لأنه شخصية تريد الإتقان في كل شيء، حيث أثرت الشخصية العسكرية فيه بشكل غير طبيعي".

وأشار إلى أن شقيقه كان يرى أن الفن لا يمكن أن تدركه بحاسة واحدة، بل تتكامل الحواس الخمس في إدراك الأشياء؛ لذلك فهو عندما يكتب عن حضارة من الحضارات يكتب عن الفن والموسيقى والعمارة والتصوير والشعر. وبالإضافة إلى ذلك كان مؤمنًا بأن حياة الإنسان متمثلة في شقها الفني أكثر من شقها العلمي؛ نظرًا إلى ما للجانب الفني من سحر وجمال وقدرة على إثارة شتى المشاعر والانفعالات.

أما عن علاقته بالإعلام، فهي، كما يقول عكاشة، لم تكن جيدة على الإطلاق، فعندما اعتلى منصب وزير الثقافة جمع مندوبي وسائل الإعلام، وقال لهم إنه لا يهتم بالإعلام والظهور فيه، وأخبرهم أيضًا بأن النقد البناء مسموح، ولكن غير ذلك لن يكون مسموحًا.

وواصل شقيق الراحل حديثه قائلاً: لكل إنسان ثلاث صور، الصورة الذاتية بينه وبين نفسه وضميره، والصورة الاجتماعية التي يظهر بها الإنسان أمام الناس، والصورة المثالية، لكن ثروت كان شخصية تستطيع الجمع بين الصور الثلاث، ولم يهتم قط بصورته الاجتماعية بخلاف معظم الناس.

وأضاف: إن لكل إنسان فصين في المخ، الفص الأيسر يتعلق بالمنطق والسببية والواقع والتسلسل فيطلق عليه الفص العالم، أما الفص الأيمن فيختص بالتذوق والجمال والموسيقى، موضحًا أن ثروت كانت لديه قدرة على التناسق الغريب بين الفصين، فهو يكتب عن الحرب الميكانيكية وجنكيز خان، ويكتب أيضًا عن فن الهوى والرومانسية وترجمات جبران، كما كانت لديه القدرة على المزج بين الثقافة الشرقية والغربية والدفاع عن كلتيهما، وكان شخصية موسوعية؛ فهو يعرف الكثير عن كل مجالات الحياة.

 

الأمير المتسول

ومن جانبه، أكد الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي، أن ثروت عكاشة حظي باحترام النخبة المثقفة، ومنذ أن وقف بجانب الديمقراطية في أزمة مارس 1954، التي انقسم ضباط يوليو في أثنائها بين تسليم السلطة للمدنيين وبين البقاء فيها والانفراد بها، وهو ما حدث بالفعل، وحاول عكاشة أن يجعل وزارة الثقافة ملجأ للثقافة الرفيعة الجادة، وحرية التفكير والتعبير. وفي ذلك الوقت، والكلام لحجازي، كتبت قصيدتي "الأمير المتسول" التي نشرت في جريدة «الأهرام»، واتصل بي عكاشة وأبدى إعجابه بها؛ لأنه قد يكون رأى نفسه فيها.

وعن عكاشة كمترجم، قال: ترجم ثروت عكاشة نشيد جبران خليل جبران للحرية التي كان جنديًا من جنودها مفتونًا بها، كما كان مفتونًا بشعر جبران فترجم أعماله.

وأكد حجازي أن الحرية هي التي قادت عكاشة إلى شعر جبران، وهي أيضًا التي قادته إلى موسيقى فاجنر، التي كانت أعماله دعوة إلى حياة خالية من القيود، مشيرًا في هذا الصدد إلى أنه لا يعرف مثقفًا مصريًا يمثل وحدة الفنون وعبّر عنها في أعماله كما فعل ثروت عكاشة، فقد ترجم شعر جبران، وخصص موسوعته في تاريخ الفن؛ للتعريف بفنون العمارة والنحت والموسيقى في أهم ثقافات العالم، وفي مختلف العصور. وأضاف أن عكاشة كان مؤمنًا بوحدة الفنون، وأن الجمال يجمع بين مختلف الفنون، والإنسانية تجمع بين مختلف الثقافات، معتبرًا أن الشعراء والكتّاب الذين فازوا باهتمام ثروت عكاشة شاركوه في إيمانه بوحدة الفنون، وكانوا هم أنفسهم تجسيدًا لهذا المبدأ.

 

نموذج الثورة

وفي السياق نفسه، اعتبر الروائي بهاء طاهر، عكاشة أنموذجًا يجسد أفضل وأنبل ما سعت إلى تحقيقه ثورة يوليو 52، وقال إنه دائمًا ما كان يعمل بعيدًا كل البعد عن الأضواء والشهرة في خدمة الثورة، فقد لعب دورًا كبيرًا لم يعرفه أحد في كشف أسرار العدوان الثلاثي، وهو في ذلك الوقت كان يعمل دبلوماسيًا في فرنسا، واستطاع أن يكاتب عبدالناصر عن دور الفرنسيين في العدوان الثلاثي، فمن يتابع هذه المراسلات يجد أنها تلقي الضوء على دوره في كشف العدوان الثلاثي، لكنه لم يستغله للدعاية لنفسه قط. وأوضح أن أعمال عكاشة الفنية والأدبية والترجمية كانت تسعى إلى العالمية، مشيرًا إلى أنه كان رجلاً شاملاً ومتنوعًا تتنوعًا اهتماماته في الأدب والموسيقى والمسرح والسينما والترجمة والثقافة الجماهيرية، ولا يمكن أن نحصره في مجال بعينه، لأنه كان في كل مجال يترك إسهامات كبيرة.

رجل آمن بالشباب

واختتمت الندوة بكلمة للناقد عز الدين نجيب، تحدث فيها عن الراحل الفقيد الذي وصفه بأنه الفارس النبيل، مشيرًا إلى اهتمام عكاشة الواضح بالشباب، ودورهم في الحياة الثقافية، مؤكدًا في الوقت ذاته أن عكاشة رجل آمن بالشعب وآمن بأن الثقافة للشعب ضرورة من ضروريات الحياة الأساسية، كالتعليم والصحة والغذاء.