بدأ النحات العراقي محمد غني حكمت، من مطبخ والدته يستعمل عجينة الخبز، ليشكل حيوانات صغيرة ويضعها في جيبه، وفي مرات أخرى كان يستخدم طين دجلة لينحت جدارية على سطح منزله كل هذا قبل أن يذهب إلى المدرسة. هكذا بدأت الإعلامية ليلى الشيخلي بالتعريف بالنحات العراقي الراحل، الذي وهب الصلصال روح الفن، قبل أن تحاور ضيوف ندوة رواق الفكر، التي أقيمت مساء، أول من أمس، في قصر الإمارات في أبوظبي، على هامش فعاليات مهرجان أبوظبي. بعنوان "محمد غني حكمت تاريخ في النحت" بمشاركة ابنة الفنان هاجر محمد حكمت، والشاعر والناقد فاروق يوسف، ومقتني الأعمال الفنية حازم الدالي، إلى جانب بعض الحضور الذين شاركوا في النقاش وصححوا في بعض الأحيان عددا من المعلومات التي قدمت في الندوة.

 

انتماء فني

هاجر حكمت قالت: من أول المنحوتات التي صنعها الوالد، كانت وجه ابنة أخيه سهام، وتمثال آخر لجدي، ولعمي، وتطور ليعمل لأصدقائه، لكن للأسف معظم هذه المنحوتات انكسرت أو سرقت، إلا نحت جدي لأنه صبه بالبرونز، وأشارت حكمت بقيت العائلة شيئاً مهماً عند الوالد. وبعيداً عن الجانب الأسري قالت هاجر: حقق الوالد شهرة عالمية، وإحدى بوابات اليونسكو من صنعه، إلى جانب بوابتين لكنيسة في روما، وغير ذلك الكثير لكنه بقي يشعر بأنه عراقي قبل كل شيء وبغدادي يعتز بأنه سليل حضارة بلاد الرافدين، وليس لديه مشكلة مع الغرب، ولم يكن طموحه الشهرة بل كانت بغداد البداية. ومن بعدها يأتي كل شيء.

وأشارت إلى أن حكمت زار ضريح الشاعر العراقي محمد جمال الدين في دمشق، وكتب من قصائده التي تخص بغداد على منحوتة له بعنوان بغداد وهي عبارة عن مسلة في أعلاها سيدة تدل أن بغداد ستبقى رغم كل ما يحدث، وأوضحت المرأة بالنسبة للوالد تعني الحياة والذكاء قبل الجمال، ولهذا اختار شخصية كهرمانة السيدة الذكية التي تغلبت على الأربعين حرامي. وعرضت هاجر ثلاثة أعمال فسرت أن والدها أنتجها لبغداد في العام 2010، واحدة بعنوان الفانوس السحري، والأخرى بغداد، وواحدة عبارة عن أياد ترفع الختم الأسطواني في دعوة لإعادة العراق.

 

منحوتة التحول

أكد الناقد فاروق يوسف أن المتنبي خلاصة جميع أفكار وتجربة حكمت، وشكلت لحظة فارقة في حياته، إذ كان منحازاً للمتنبي شعراً وليس سيرة شخصية، وقرأ له الكثير، وهو ما حاول أن يجسده في منحوتة، وأوضح: استعار حكمت في المتنبي من النحات رودان عباءة بلزاك، وتعامل بذكاء فهذه عباءتنا ردت إلينا. وتحدث الناقد عن روح ألف ليلة وليلة التي تظهر في منحوتاته، والوحدات الزخرفية كذلك، ملأ ساحات بغداد بمنحوتاته، ولا يكاد يوجد بيت عراقي إلا وفيه أبواب ومطارق من صنع حكمت.

وقال لم يستطع أحد من تلاميذه ان يقلده فمن كان يحاول كان يسقط. وقال حازم الدالي: من عشر سنوات كان حكمت في زيارة لأبوظبي، وخلالها أقنى العديد من الشخصيات الاعتبارية في الدولة أعماله، وبعضها منحوتات صغيرة وليس كما يعتقد البعض أنها أعماله كلها كبيرة فهو قد تخصص في روما بالميداليات، وقد أنتج في هذا المجال الكثير من الميداليات البرونز، والتي وضع عليها رموزا سومرية وبابلية، والفنان لم يكن ماديا، وكان اجتماعيا وإيجابيا ولديه استعداد لتقديم الكثير.

 

مداخلة

فسح الباب للمداخلات، وكان من ضمنها مداخلة غنية قالت صاحبتها: أول باب نحته حكمت في بغداد كان بابي. وفاجأت الحضور بأن حكمت هو من أطلق اسم محمد على نفسه لأن والدته كانت قد ندرت هذا، وبالفعل أطلق على نفسه محمد عندما التحق بالمدرسة، وقالت: كان له حضور في العراق في كل المراحل السياسية، كما طلب أن يدفن في بغداد، أما وجه المتنبي فهو حكمت نفسه، بينما كان ينحت ابنته هاجر في أعمال كثيرة ومنها بغداد، كما صنع نحتا لوجه زوجته وهو عندي، أما الأيادي الخمس التي تحمل الختم فقد عبر بها عن أطياف العراق الخمسة، واتفقت المتحدثة مع المشاركين بالندوة بأن الفنان كان متفائلًا، وسعيداً. محطات

 

ولد النحات العراقي محمد غني حكمت في بغداد عام 1929 وتوفي في عمان 12 سبتمبر 2011، وتخرج في معهد الفنون الجميلة عام 1953، كما حصل على دبلوم النحت من أكاديمية الفنون الجميلة في روما 1959، والاختصاص في صب البرونز فلورنسا 1961. أقام عدة معارض شخصية في روما بيروت وبغداد، وحصل على جائزة أحسن نحات من مؤسسة كولبنكيان 1964. له أعمال كثيرة من أشهرها تمثال شهريار وشهرزاد، علي بابا والأربعين حرامي، حمواربي، وجدارية مدينة الطب، وتمثال المتنبي