رفعت مسرحية " ألف ليلة وديك" لمسرح دبي الأهلي، التي عرضت مساء أول من أمس على مسرح قصر الثقافة سقف المنافسة على جوائز مسابقة أيام الشارقة المسرحية في دورتها الـ22،بعد أن تمكن مخرج العمل مروان عبدالله صالح من تطويع نص الكاتب المسرحي طلال محمود على الخشبة وتقديمه لقمة سائغة في فم جمهور ظل متعطشا لمثل هكذا عمل تضافرت فيه عناصر العملية المسرحية من نص وإخراج وديكور وسنوغرافيا وموسيقى وأغان وأداء بطريقة مهدت الطريق أمامه، ليتصدر قائمة الأعمال المشاركة في هذه المسابقة المسرحية السنوية.
تطويع التراث
سلسلة من الحكايات أدت إلى ما اعتبره النقاد نجاحا مبهرا لمسرحية "ألف ليلة وديك"، بدءا من تطويع نص حكاية تراثية هي ألف ليلة وليلة واسقاطها على الواقع المعاش ومخرجات الربيع العربي ومرورا بتكييف مفردات العمل المسرحي وضبطه على ايقاعات مفردات تراثية خليجية وعربية وصولا إلى تطويع أصوات وأجساد الممثلين، التي تميزت بالرشاقة، وتوظيفها بنجاح في خدمة العمل، فضلا عن ما تبقى من عناصر مسرحية أخرى مثل إضاءة عبد الله مسعود وأزياء ميلانا رسول ومؤثرات عبد العزيز المدني وديكور إبراهيم حيدر.
عمل ملحمي
منذ بداية العرض، بدا واضحا أن هذا العمل هو أقرب إلى العمل الملحمي الذي يعتمد على مجاميع الممثلين والراقصين والراوي الذي يظهر مع فرقته الموسيقية المكونة من عازف عود وعازف كمان وقارع دف بين الحين والآخر، ليضبط مسار الحكاية ويضعها في نصابها إما قولا أو غناء. وتتكئ حكاية المسرحية على الإجابة على سؤال خطر ببال مؤلف العمل أثناء ندوة كان قد حضرها مع مخرج العرض ويقول: ماذا لو ضاع الديك في "ألف ليلة وليلة"، ماذا لو لم يصدح صوته في فجر الليلة بعد الألف؟
ما الذي كان بمقدور شهريار أن يفعل بشهرزاد تلك الليلة؟ أو بالأحرى ماذا كان بمقدور حاكم جائر أن يفعل بشعب لو أن الأخير آثر الاستمرار في صمته ولم يكسر حاجز صمته الذي طال؟ مجموعة من التساؤلات عكست مجموعة من الإحالات الرمزية، من خلال استخدام الديك بصفته ذكرا واتخاذ الحاكم قرارا بتوقيف النسل بين شعبه ليبقى هو الرجل الوحيد الذي يتمتع بذكورة سرعان ما يتبين له أنها ذكورة واهية سرعان ما تتبدى بدورها عندما يكسر الشعب بمساعدة شهرزاد صمته ويعلو صوته مناديا بالحرية والكرامة.
فجر الربيع
ورغم أن مؤلف العرض ومخرجه قد أكدا أنهما بدءا في الاشــتغال على هذا النص منذ عامين، أي قبل بزوغ فجــر الربيــع العربي، إلا أن التطور الدرامي للعمل وحبكته الرئيسية وخصوصا المشهد الأخير من المسرحية تشي بأن العمل ينتمي إلى سلسلة الأعمال التي راحــت تحاكي مخرجات الربيع العربي من المحيــط إلى الخليج، لا بل يمكن تلخيص ذلك المشهد بشعار أوحى به ذلك المشهد وهو" الشعب يريد نتف ريش شهريار"، الذي ينقض عليه شعبه في نهاية المسرحية وينتف له ريشه، الذي يتطاير في فضاء المسرح بألوانه الزاهية في إشارة للربيع العربي.
سياق الندوة
أعقب عرض"ألف ليلة وديك" ندوة تطبيقية أدارها الزميل محمد سالم وشارك فيها طلال محمود ومروان عبد الله صالح، وشهدت عددا كبيرا ولافتا من المداخلات التي قدمها نقاد وفنانون ومتخصصون من سائر الدول العربية، أجمعوا جميعا على أن العرض يشكل إضافة حقيقية للمهرجان والمسرح الإماراتي والعربي .
ذلك من النواحي الإخراجية والنص واستخدام التقنيات والموسيقى والأغاني والحلول البصرية المتعاقبة والأسلوب الساخر، الأمر الذي شكل في نهاية المطاف نوعا من الفرجة الممتعة، التي ارتكزت على حالة عارمة من التناغم بين النص والإخراج والتراث المسرحي العربي والخليجي واستخدام الاكسسوارات، على الرغم من طرح بعض الملاحظات، التي قال طلال محمود أنه سيضعها في دفتر يحرص على مراجعته بعناية، بينما قال مروان عبد الله صالح إن النقد مفيد وأنه يعتبر هذه الندوة حصة في أكاديمية، منوها إلى أن نصف الذين شاركوا معه في العمل يصعدون إلى خشبة المسرح لأول مرة.
وليد عمران: المُحكم الإماراتي ضرورة ومسرحنا يفتقد إلى التخصص
اجتمعنا مع السينوغرافي الإماراتي وليد عمران، وهو أحد أعضاء لجنة التحكيم في كرنفال الشارقة المسرحي، على طاولة حفل العشاء المقامة تكريما للفنانين العرب، الذين حلوا ضيوفا على المهرجان في دورته 22 ، وشكل اللقاء بانوراما ناقشت مشاركة المُحكم الإماراتي في لجان التحكيم، ودوره في إيضاح الصورة المسرحية المحلية، بكل أبعادها للأعضاء في لجنة التحكيم، إضافة إلى مسؤوليته في توجيه الأعمال المقدمة بحكم القرب، والمعرفة الدقيقة بمستوى الكوادرالمحلية المشاركة. وبين عمران أن مسرحنا يفتقد التخصص، ويطغى عليه استبداد المخرج على كل فنيات العمل المسرحي.
تشكيك
الاعتراض إزاء التقييم النسبي للمُحكم الإماراتي في لجان التحكيم المسرحية، تنصب حول مسألة المحسوبية والعلاقات، كيف تنظر لها كعضو لجنة تحكيم في الدورة الجارية؟
أولا أود السؤال حــول مــن يقدم هــذا الاعتراض أو التشكيك بنزاهة المحكم الإماراتي، وشخصيا أؤمن بأن المجتمع المثقف في الإمارات تجــاوز نقطــة التشكيك بهذه المشاركة، وذلك لإدراكه أن تواجدنا اليــوم يحــقق فلترة، وتسهيل لإيضاح الصورة الكلية للعروض المسرحية، بكل أبعادها وقضايا فنياتها مما يدعم قرار لجنة التحكيم.
وأما في ما يخص الحيادية، فهــي فرضــية لا نختــلف على أن عضو لجــنة التحكيم، ملــتزم بهــا فــي كــل مكان وزمــان، وليس فــي بلده فقــط. فاصلا معــها أفكاره وقناعاته، ومعتمدا على دقــة استثمار المعايير الخاصة بهذا الفن ومدى الجمالية المقدمة للجمهور.
جيل جديد من المبدعين الإماراتيين في مجال السينوغرافيا، والتقنيات المسرحية بكل مجالاتها، غيابهم أو قلة عددهم مسؤولية من؟
أغلب المخرجين في الإمارات، بدأ يتصــدى للإضــاءة والديكــور والنــص، مستخــدمــا فكــرا أحــاديا فــي صياغــة عمــل مبنــي أســاســا علــى الفــريق. وإبداع المخرج يــبرز عــادةً عــبر بحــثه لنص أصيل وإخراجــه بــرؤيتــه فريدة. ويتحمــل معــها مسؤوليــة تبني جيل جديد من المتخصصين في تقنيــات المسرح.
والحــقيقة أننا بالمقابل كجيــل قــديم لم نساهــم فــي تعــزيز تقــليــص هــذا النقــص إلى جــانب المخرجــين، ضمن برامج تؤهــل جيل جديد مــن التقنــيين المسرحيين، وبالذات في مجال السينوغرافيا. والفن المسرحي في نظري يواجه تحديا كبيرا، بسبب ما يحيطه مــن تقــنيات ومرفهــات عــديدة أضعف حضوره في أجندة الأفراد، وتحدي المسرحيين يقبع في كيفية جــذب الجمهور والتسويق للخشبة.
لجنة المشاهدة
مرور بعض النصوص الركيكة على لجان المشاهدة في أيام الشارقة المسرحية، بين إتاحة الفرصة والبحث عن النضج التراكمي، كيف تفسرها؟
في هذه الأطروحة، أعتقد أننا لا نستطيع حجــب المشاركات الشبابية، وهــم بالعــادة من يقعون في فخ ما وصفتموه مسبقا بالركيك أو الخطأ الفني الفادح، ولكن السؤال يُطرح في حالة مرور كتابة مسرحية لمخضرمين في المجال، بمغالطات أساسية تضمنتها مشروعهم الفني. ولكن مشاركة الأعمال الشبابية تحتاج الإستيعاب وهضم الأخطاء.

