«إنك ميت، ولكني سأحييك، وسأجعلك تنطق وتنبض بالحياة»، هذه هي الجملة التي يقولها بهلول، وهو يواجه حكم القاضي، حينما ألبسه قناعاً لكي لا يحتال على الناس من أجل مقاومة فقره. بهلول هو مواطن عربي بسيط لديه زوجته الخنساء، لم ينجبا أطفالاً بسبب فقرهما وعوزهما، يطمح بهلول أن يعمل مهرجاً للوالي من أجل أن يعيش، في الوقت الذي يرفض فيه هذا المنطق، ويواجه بعد ذلك البطانة والحاشية التي تحيط بالوالي، ليكتشف أنها بطانة فاسدة، تتآمر على الشعب وعلى المدينة وعلى الوالي. وتجارها وقائد شرطتها يشكّلون عصابة واحدة، هذا هو نص الكاتب جمال سالم، «بهلول والوجه الآخر»، الذي حاز عنه في منتصف الستعينيات جائزة تيمور للتأليف المسرحي في القاهرة.

ويُعَد هذا النص من روائع ما كُتب في المسرح الإماراتي، ومن أجمل ما كتب الكاتب جمال سالم.

 

رؤية إخراجية

وقد عاد الدكتور حبيب غلوم لأيام الشارقة المسرحية، أول أمس، عبْر هذا النص، مع فريق مسرح بني ياس ونجومه، ومع الفنان اللامع جمعة علي، ليقدم رؤية إخراجية مختلفة ومغايرة لما شاهده جمهور الأيام قبل أكثر من عشر دورات للنص نفسه، حينما تصدى له المخرج حسن رجب.

فالرؤية التي استند إليها غلوم تذهب إلى إسقاط مقولات هذا النص على الواقع الراهن، فتتحول الجوقة إلى مركز مخابرات في عمق يسار المسرح، حيث يجتمع الممثلون جميعاً هناك وأمام النظارة، حول طاولة بانتظار أداء أدوارهم. فيما شكلت المرابعات الأمامية للخشبة مساحة الأداء والتمثيل والحركة.. يُحكم على «بهلول» بلبس قناع حتى يتعرف إليه الجميع، لكي يُمنع من احتيالاته على الباعة والناس.. لكن بهلول يقسم أن يحوِّل هذا القناع إلى سلاح لمحاربة فساد السلطة والوصول إلى خباياها.

يدخل بهلول بواسطة حيلة القناع إلى قصر قائد الشرطة، وهناك يكتشف المؤامرة التي تحاك ضد الوالي من أجل قلب نظام الحكم..

ويكتشف فساد تآمر زوجة رئيس السلطة وفساد أخلاقها.. تتعرى صور الواقع أمام قناع بهلول، ما يشجعه على المضي في المواجهة.. وحينما يستشعر الآخرون غرابة هذا الرجل الذي يضع قناعاً غريباً على وجهه، يقررون اكتشاف أمره عبْر تدبير حفلة خاصة لتكريمه.

هناك ينتشي بهلول بتأثير الشراب وتتكشف شخصيته.. ينزع مساعد رئيس الشرطة القناع وتظهر المفاجأة أن على وجه بهلول قناع آخر، وفي حوار مواجهة يطلق النص مقولته الرئيسة على لسان بهلول..«كلكم تلبسون أقنعة.. حتى ظلال الشجرة هي أقنعة».

 

تكثيف واختزال

على صعيد معالجة الفرجة، عمد المخرج إلى عملية تكثيف واختزال في الإكسسوارات والملابس والديكور، ورمَز إلى الأشياء التي يحتاجها تأثيث الفضاء المسرحي، بإشارات بسيطة.. امتدت من قطع الديكور التي كانت عبارة عن برواز على يمين المسرح، تم استغلاله كبيت لبهلول وزوجته، وبيت رئيس الشرطة، مع إضافة لمسات بسيطة فقط. فيما شُغلت المنطقة اليسري، وفي عمق الخشبة، بطاولة هي أشبه بطاولة التحقيق في مقار الاستخبارات، يعلوها «لمبدير»، وملابس معلقة على عوارض في الخلفية، وكان هذا كل شيء..

هذه اللغة الاختزالية كانت ذكية من أجل الاتكاء على الممثل كمكون رئيس في الفضاء المسرحي المقترح.

 

استخدامات

كذلك هي استخدامات الإضاءة التي لم تعتمد الإنارة الكاملة، فهناك خط نور يصل اليمين باليسار في مقدمة المسرح، سيشهد تفاعلات الحركة والتمثيل، وهناك بعض البقع التي تم توزيعها بين الوسط واليسار عند الحاجة للفصل، أو المونولوجات الداخلية، بمعنى آخر.

فقد اتكأت الرؤية الإخراجية على الاختزال والاقتصاد، وكان مبتغاها هذا واضحاً في كل شيئ، حتى إنها طالت حركة الممثلين، ما أحدث بعض الفقر فيها، فخط الحركة ظل طيلة العرض هو ذاته لا يتغير، ما أفقدها بعض الغنى.