خرج الكثيرون ممن شاهدوا مسرحية (مرض زهايمر) لفرقة المسرح الوطني التونسي، إخراج وتأليف مريم بوسالمي، بطولة صلاح مصدق وقابيل السياري، بحصيلة مفادها أن فكرة المسرحية ترصد علاقة مأزومة بين أب محام مصاب بمرض الزهايمر وبين ابن مثقف يحاول أن يثبت ذاته عبر كتابة الشعر، وتتأزم تلك العلاقة أكثر بسبب إصابة الأب بمرض الزهايمر، الذي يبدو من الوهلة الأولى أنه بطل الحكاية المراد طرحها أمام الجمهور، لكن نظرة متفحصة قليلا للعرض تشي بأن هناك أبعادا اجتماعية وسياسية أخرى أعمق بكثير.

المشهد الأخير في (مرض زهايمر) التي شكلت مستهل عروض الدورة الـ22 لمهرجان أيام الشارقة المسرحية وعرضت مساء أول من أمس على مسرح قصر الثقافة بالشارقة، يلخص كل الحكاية، حيث يتناهى إلى مسمع الجمهور ترنيمة (عيد ميلاد) سعيد محاطة بعتمة فضاء خشبة المسرح التي تتلاشى تدريجيا مع رفع ستارة خلفية لخشبة المسرح ليظهر الابن وقد أشعل شمعة ووضع كعكة على قبر والده وهو يغني هذه الأغنية، مما لا يدعو إلى الشك أن المقصود هنا هو إحالة صريحة على ولادة حياة جديدة من قلب موت محتم كان لابد أن يكون كي تسمر الحياة، كما أن إنارة شمعة واحدة والإشارة الصريحة إلى أن عيد الميلاد المحتفل به هو الأول ينطويان على تلميح هو اقرب إلى الوضوح للربيع العربي، الذي مضى عليه عام أيضا.

وتعد (مرض الزهايمر) التي فازت بجائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة، لأفضل عمل مسرحي عربي لعام 2012، جسرا للعبور إلى فكرة المسرحية الرئيسة، وذلك على الرغم من الجرعة الرمزية القوية التي ينطوي عليها هذه المرض للتعبير عن تردي ذاكرة مجتمع بأكمله، ذاكرة مجتمع لابد من ان ينفض الغبار عن كاهلها كي ينبثق ربيع الشباب ويتصدى لسلسلة من المشكلات التي تراكمت بفعل النسيان أو التناسي وأدت إلى تغييب أو غياب حق المواطن بالحلم والشعر والثورة في متاهة مجتمع أضاع البوصلة منذ زمين طويل وآن أوان استرجاعها وربما انتزاعها من جيل هرم يجسده على الخشبة الأب الذي يلعب دوره صلاح مصدق وجيل شاب يجسده الابن الذي يلعب دوره قابيل السياري، ويؤازرهما في المعالجة الدرامية أصوات أخرى، وديكور بسيط مفرداته في غالب الأحيان مكونات غرفة نوم الأب المريض ومطبخه وحمامه والمحاطة دائما بمتاهة ضوئية تظهر على الخشبة على مدار الوقت.