"أمضينا أعواماً طويلة نسيس الثقافة، آن الأوان لتثقيف السياسة" مطالبة تبناها محمد بن عيسى وزير الخارجية والثقافة الأسبق للمملكة المغربية وأمين عام مؤسسة منتدى أصيلة منذ ثمانينات القرن الماضي منذ عقدين، وها هو يعيد إطلاقها من جديد أول من أمس في محاضرته المهمة "الدبلوماسية والثقافة" حيث نظمتها ندوة الثقافة والعلوم في مقرها بدبي، وأدارها بلال البدور، وحضرها كل من معالي محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، وسلطان بن صقر السويدي رئيس ندوة الثقافة والعلوم ونخبة من المثقفين والإعلاميين، حيث دار النقاش ورد على أسئلتهم.
في حديث مسترسل عن طبيعة العلاقة بين الدبلوماسية والثقافة، أكد بن عيسى أن الثقافة قد ساهمت في التخفيف والإصلاح على قدر الإمكان من آثار الإعطاب التي أحدثتها الدبلوماسية، بسبب قلة تقديرها أو عدم الالتفاف إلى عامل المصلحة الوطنية المتباينة بين تقارب الشعوب وتباعدها. وبيّن أننا نتفق جمعياً على تكامل الأدوار بين المجالين الثقافي والدبلوماسي في تجسيدهما وتقاسمهما جملة من القيم الرمزية، أو ما يسمى بالصفات الحضارية التي اختزلت كل ما هو أصيل وراسخ في تجارب الشعوب. وتوقف بن عيسى عند قضية تحقيق الانصهار بينهما بصورة تفاعلية بوصفها غير ميسورة دائما، وذلك لما تحمله الدبلوماسية من تراث مليء بالتجارب المتشابكة والطويلة.
تقدم بن عيسى في فترة الحرب الباردة، وعندما أُبعد مختلف المفكرين عن أوطانهم، لأنهم اختلفوا مع حكوماتهم، دون أن يعلنوا انقلاباً أو عصيانا عندما كان يشغل منصب وزير الثقافة في المغرب، مما حدا بالمثقفين المجتمعين في "مناظرة تارودانت" إلى كتابة بيان وجوب تصدر الثقافة أمام كل أشكال السياسة. وذلك لما تشكله من تعميق وتقارب بين المجموعات البشرية، ودرء للخلافات والأزمات بينها وبين الجانب السياسي.
موسم أصيلة
" الدبلوماسية هي الشكل المهذب للحرب " قول مأثور استدل به بن عيسى أثناء حديثة عن مقاربة تجمع بين استعانة المخطط الاستراتيجي العسكري بشتى التقارير، والفاعل الدبلوماسي المستنير بمصابيح المعرفة تحقيقا للنصر في النهاية. وقدم خلال المحاضرة نماذج من تجاربه الخاصة في مجال تفعيل الثقافة عبر الدبلوماسية، طارحا مثال تأسيس موسم أصيلة الثقافي الدولي أواخر عقد السبعينيات، والذي يستمر إيقاعه الناجح بتصاعد ملحوظ إلى الآن، مقرا أن استمراره اليوم يعود إلى أساليب العمل الدبلوماسي التلقائي المتمثل في فتح قنوات التواصل مع الأطياف السياسية والفكرية المختلفة. وشرح بن عيسى استثمار الدبلوماسي للسياسة في تعزيز علاقاته بالمثقفين والثقافة أثناء حديثه عن اهتماماته وعلاقاته في الولايات المتحدة الأميركية، إبان عمله سفيراً للمملكة المغربية في واشنطن حيث عمد إلى التواصل مع الجامعات ومراكز البحوث، وزيارة المكتبات والمتاحف وأروقه الفنون والمعارض. إضافة إلى الأجواء الثقافية وما قدمت له من عدد كبير من المعارف من السياسيين ورجال الدولة والمساهمين على صعيدي الحكومة الأميركية والكونغرس.
وأوضح بن عيسى صدام الحضارات ومشروع العنف ودق طبول الحرب، وما يترتب عليه من انعدام فرص السلم والأمن وسيادة التفاهم بين المجتمعات الإنسانية، مبررات تقدم بها بعض أصناف الدبلوماسيين. وأضاف: إنهم تجردوا من مهمتهم السامية في التقريب بن الشعوب. وسعوا إلى زحزحة الثقافة في كونها سلاحاً مكملاً للدبلوماسية. وصنف بن عيسى نفسه ضمن معسكر الدبلوماسية السلمية والفاعلة، لافتا أن الثقافة هي أقوى سلاح في التغلب على الصراعات الدولية المحيطة بنا.
