يجمع الفنان الأردني جهاد العامري في معرضه (درويش ولوركا: قراءة تشكيلية)، الذي تحتضنه المؤسسة الأوروبية العربية في غرناطة هذه الأيام بين زمنين ومكانين وشخصيتين تتقاطع جميعها في منعرجات تاريخية وحضارية وثقافية وحتى نفسية عديدة، أما المدينتان فهما القدس وغرناطة والشخصيتان هما الشاعران الكبيران محمود درويش (1942-2009) وفيدريكو غارسيا لوركا (1898-1936).
في حين يتكئ الفنان في البعد الزمني لمشروعه الفني على ما آلت إليه أوضاع المدينة المقدسة في الزمن الحالي، وعلى زمن آخر شهد خروج العرب من الأندلس وعاصمتها غرناطة ، المدينة التي ولد فيها الشاعر الاسباني وترعرع وسقط شهيدا فيها على يد قوات الجنرال فرانكو الفاشية.
فن الغرافيك
ويأتي هذا المعرض، الذي يضم نحو ثلاثين عملا من فن الحفر ( الغرافيك) ليشكل جزءا من المشروع الذي قدمه العامري إلى النسخة الخامسة للبرنامج السنوي للكراسي الأوروبية- العربية في قسمها المتخصص بالفن والثقافة، حيث يسعى الفنان إلى إبراز أهمية الأندلس بوصفها قيمة مكانية وروحانية في حياة الشاعرين وتجربتهما الإبداعية وكذلك أهمية لوركا في الشعر العربي المعاصر.
فضلا عن أن العامري يحاول من خلال ذلك التوثيق للعلاقة الحيوية القائمة بين الشعر والرسم، وذلك في إطار سعي المؤسسة الأوروبية- العربية لمد جسر للحوار بين مختلف الحضارات وبين الحضارتين العربية والأوروبية في هذه الحالة، لا سيما وأن الشعر ظاهرة أممية تحث على تلمس أوجه الاختلاف والتشابه في مختلف الثقافات. اختلاف وتشابه يدفعان إلى التأمل .
ومن شأنهما تعزيز التفاهم المتبادل بين مختلف الثقافات عن طريق تتبع بصمات وجماليات الحضارة الأندلسية، التي ألهمت بجمالياتها وسحرها وتاريخها غالبية الشعراء، ومن بينهم الشعراء العرب مثلما فعل لوركا أيضاً.
خرائط الذاكرة
في جانبها التاريخي، تستند أعمال العامري إلى الخرائط المعمارية والمخططات الهندسية للمدينتين التاريخيتين، وتحديدا الخرائط العثمانية لمدينة القدس وزخارف قصر الحمراء ولمجموعة واسعة من قصائد الشاعرين، حيث يوضح جهاد العامري أن أشعار لوركا ودرويش تشكل ( قطعة حرير في ذاكرتي) مؤكدا من خلال ذلك على أنه على الرغم من أن لوركا لم يلتق بدرويش قط.
وهذا منطقي،ولكنه من المعروف أن لوركا عاش بأشعاره في تجربة درويش الشعرية وشكل أحد أهم مصادر تغذيتها الروحية والنفسية والوجدانية، حتى أن البعض يقول إن لوركا عاش في غرفة نوم درويش، وبين ضلوعه في الذهاب والإياب وفي الرحيل والعودة وفي المنافي البعيدة والقريبة التي مر بها الشاعر الفلسطيني وشكلت معينا لا ينضب لتجربته الإبداعية.
شعر ورسم
سبق ( درويش ولوركا: قراءة شعرية) ندوة تطبيقية تناولت علاقة الشعر بالرسم وشارك فيها الفنان العراقي رافع الناصري والكاتبة العراقية مي مظفر وجهاد العامري نفسه، تم خلالها رصد ملامح هذه العلاقة على المستويين العالمي والعربي وكذلك تجربة العامري في هذا المجال، حيث أكد الناصري أن إرهاصات هذه العلاقة ظهرت في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولا سيما بعد أن درس الكثير من الشباب العربي في بلدان أوربية.
