ليس طول العمر محدداً للعبقرية والنبوغ أو الإنجاز، أو إيجاد مكانة لا تزال بزوال الجسد الفاني، فكم من إنسان ظل على قيد الحياة من خلال أعماله، وكم من إنسان طال عمره، إلا إنه انتهى بزوال الجسد، وخروج الروح إلى أعلى.

من الواضح أن المبدعين، عادة ما تكون أعمارهم قصيرة، يؤكد ذلك الرجوع إلى التاريخ، سواءً القديم أو الجديد، لا فرق في ذلك، إلا أن المشترك هو إنجازاتهم سواء العلمية أو الأدبية التي تظل رمزاً من رموز عبقرية العقل الإنساني.

من المؤسف في الكثير من الأحيان، إن المجتمعات، تنسى أولئك وهم أحياء يرزقون، وتتذكرهم في مماتهم، إنها سخرية الحياة، وهي في الوقت ذاته، القاعدة العامة، والتي حان الوقت لدق آخر مسمار في نعشها.

فجأة ومن دون مقدمات، يدرك الأصدقاء والأعداء أن إنساناً قد رحل قبل الأوان، وهذا ليس اعتراضاً على قدرة المولى عز وجل، بل هي ردة فعل آنية لجلل عظيم، كيف رحل ذلك الإنسان، من دون كلمة وداع، إن عجلة الانشغال اليومي بمتطلبات الحياة تنسينا التطلع إلى ما حولنا من دقائق الأمور، بل إن النظرة الشمولية تعمي الأبصار لما هو حولنا.

في الآونة الأخيرة فقدت الإمارات مجموعة من خيرة شبابها، أولئك الذين جاؤوا ثمرة من ثمار الدولة الاتحادية سواءً في مجال الأدب أوالفن أوالعلم.

إن هموم الحياة وشدة الأضواء، وتفكك الروابط الاجتماعية، تجعل الإنسان، يبحث عن الهروب من هذا الواقع، ولعل حالات الهروب من الحياة إلى الموت البطيء هو الذي يفقد الوطن خير مقومات التحدي والبقاء، فهل هي مسرحية الرجل الواحد، أو بعبارة أدق الإنسان الواحد، والذي يفقد سر بقائه، مستمر ككائن حي، أو هو مثل السمكة خارج البحر، إن سكرات الموت التي نشاهدها لتلك المخلوقة، هي نفسها التي نشاهد للإنسان وهو وحيد بعيد عن محيطه الإنساني.

يسقط على رؤوسنا الخبر، كالصاعقة القادمة من أعمال السحب والغيوم من السماء، يتوقف العقل عن التفكير، لحظات تنهمر الدموع من العيون، وتسود الدنيا للحظات، نتذكر الموت، وهو مصير كل الكائنات، العمر سلسلة من الأيام، أو كسكة قطار، له بداية، والنهاية معروفة، إلا أن الإنسان يحاول دائماً نسيان ذلك، أو الهروب من هذه الحقيقة. لقد عجلت وسائل الاتصال بإيصال الأخبار، سواءً السارة أو الحزينة، بسرعة البرق، وهو الذي قد يعني الحياة أو الموت، فكل شيء في هذه الطبيعة تحمل المتناقضات، وعلى الإنسان أن يدرك ذلك، وإلا وقع في عالم الخيال والبعد عن الواقع. أتذكر هذا، ونحن نودع ذلك الإنسان الذي ظل يبحث عن الحقيقة والحياة، إلا أنه أصبح جزءاً من ذاكرة الوطن، والذي لا ينسى أبناؤه، فهو الأرض والأم التي تحتضن أبناءها سواءً على سطحها أو باطنها.

ستظل يا أحمد راشد ثاني نشيداً دائماً للإنسان، محباً للحياة ولوطنه للأبد.

majamutawa@yahoo.com