يجمع الكتاب والمبدعون على أن العنصر الأهم في ممارسة الكتابة هو نضج الفكرة، وأن ما عدا ذلك يندرج في إطار التفاصيل التي لا يعيرونها أي أهمية تذكر، ذلك أن الفكرة عندما تتكون، فإنها ستبحث لنفسها عن جناحين تحلق بهما إلى الصفحة البيضاء أو صفحة جهاز (آي فون) أو (كمبيوتر)، حيث يذكرنا الكاتب الإماراتي ياسر سعيد حارب، بأن كاتباً مثل أرنست هيمنغواي كانت تأتيه الأفكار وهو يبري قلم الرصاص، بينما كانت تلك الأفكار تدهم أغاثا كريستي وهي تجلي الصحون في المطبخ، أما أكثر الكتّاب غرابة، فكان بلزاك، الذي كان يشرب 50 فنجان قهوة في اليوم كي يتمكن من الكتابة. وقد توفي متسمماً بالكافيين.
(البيان) استطلعت آراء عدد من الكتاب حول طقوس الكتابة التي يتبعونها عندما يجلس كل منهم إلى نفسه ويكتب نصاً أدبياً أو مقالة فكرية أو حتى قصيدة، وقد اتفق معظمهم على أن النص أو الحالة تفرض نفسها في المكان والزمان اللذين تراهما مناسبة بعيد عن إرادة صاحب ذلك النص أو تلك الحالة.
الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم يقول إن حالة الكتابة تأتي حسب المزاج، فلكل حالة شعرية تداعياتها وأجواؤها، لأن كل قصيدة لها كيان مستقل وحياة قائمة بذاتها، تدخل الأشعار بحالة وجدانية تختلف حسب اختلاف تلك الحالة. بينما يمكن أن تدفعه حالة أخرى إلى الجلوس في البيت وأخرى إلى المقهى أو إلى السفر إلى الخارج.
تجربة كتابية أخرى يحكي عنها الأديب الإماراتي عبد الغفار حسين الذي يقول: (أحاول أن أستوعب الموضوع في ذهني قبل أن أجلس للكتابة، لكن أحيانا تمر أوقات لا أستطيع أن أكتب فيها جملة مفيدة، وفي أحيان أخرى تهبط علي قريحة الكتابة فجأة من دون سابق إنذار، فأكتب في أي مكان، في المكتب، في السيارة، ويمكن أن تمر أيام لا أكتب فيها شيئا. وعندها أشعر بالاستغراب وأقول لنفسي: هل يعقل أني لا أستطيع كتابة شيء وأنا الذي كتبت الكثير سابقا)، ويستخلص عبد الغفار حسين من تجربته الكتابية الطويلة أن مزاج الكاتب لا يساعده على الكتابة أحيانا، مذكرا بما قاله الأديب المصري نجيب محفوظ ذات مرة: (مرّت علي سنتان ولم أستطع خلالهما كتابة ولو صفحة واحدة).
الشاعرة الإماراتية شيخة المطيري لا طقس لديها للكتابة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن (القصيدة تختار الطقس المناسب وتزورني)، ويمكن أن تأتي فكرة القصيدة وسط الزحمة، حيث ليست هناك ضرورة أن تختفي فيزيائيا عن الناس، المهم أن تكون غارقا في تمحيص فكرتك.
الافكار التقائية
من جانب آخر، يقول الكاتب ياسر سعيد حارب: (ما يدفعني للكتابة أحيانا هو الاستغراق في قراءة شيء ما، ولا سيما عندما اقرأ مادة تاريخية، حيث أدخل إلى المكتبة وأختار كتابا وأبدأ بالقراءة ومن ثم تأتي الأفكار تلقائياً)، لكن ذلك ليس كل شيء في تجربة حارب الكتابية، الذي يؤكد أن الموسيقى والقهوة تحرضانه على الكتابة، وأن الورق الأبيض لم يعد يستميله للكتابة مثلما يفعل جهاز الـ(آيفون)، ولذلك، فإنه يمارس الكتابة في أي مكان يكون فيه، على الإشارة الضوئية أو في العيادة، وذلك بعد أن تخلى عن دفتر الملاحظات الذي كان يلازمه في السابق وحل محله الجهاز الجديد.
قصاصات ورق
الكاتب الدكتور هيثم الخواجة يقول في تجربته الكتابية الممتدة لسنوات طويلة: (أبدأ الكتابة سواء أكان ذلك في البيت أو في الشارع أو في الحافلة أو في أي مكان آخر، فالطقس لا يجلب الكتابة والإبداع، وإنما الإبداع هو الذي يخلق الطقس، وعلى هذا الأساس، فإن كبار الكتاب في العالم كتبوا إبداعاتهم من خلال قصاصات ورق جمعوها من جيوبهم ومفكراتهم ومن أوراقهم المتناثرة هنا وهناك).



