شهدت دبي في الأسبوعين الأوليين من شهر فبراير افتتاح ما يزيد عن 15 معرضاً، وأغلبها لفنانين عرب وأجانب معاصرين استطاعوا ترسيخ مكانتهم في ساحة الفن العربي والغربي، منهم: الفنان المصري ابراهيم الدسوقي، والجزائري ادريس وداحي، والألماني مايكل سيلستورفر والهولندي غابي غابي والإيراني أبول أتيغيتشي، إضافة إلى المعارض الجماعية التي استضافت مواهب محلية واعدة كما في معرض نون النسوة بمرسم مطر. تنوعت أعمال الفنانين بين مختلف وسائط الفنون التقليدية والحديثة، كما تميزت أعمال الفنانين العرب بين لوحات ومنحوتات مواضيع ترتبط بالهوية وعوالم العزلة الداخلية.

7 فنانين يسردون بلوحاتهم حكايات مصرية

 

يتلمس الزائر لمعرض (حكايات مصرية) ، خصوصية الفن المصري الحديث منه والتقليدي الذي يتجلى بصورة بارزة في الألوان المستمدة من بيئة البلد وتربته وفي المنحوتات التي تبالغ في تضخيم الكتل، وتقدم سرداً لتاريخ الفن المصري من الزمن الذهبي لأم كلثوم وأسمهان وحتى العصر الراهن. شارك في المعرض، 7 فنانين مصريين من المخضرمين والشباب وهم كل من: أمل قناوي، وهند عدنان، وإسلام حسن، وإبراهيم الدسوقي، وخالد زكي، ومحمد أبو النجا، ومحمد الفيومي. ويتمتع كل فنان بخصوصية أسلوبه سواء في الرسم أو النحت، فمنهم من يصور العالم الخارجي ومنهم من يركز على تصوير العوالم الداخلية للإنسان المنكفئ على نفسه والمنفتح على العالم.

يعود الزائر أمام لوحة (أم كلثوم) للفنان ابراهيم الدسوقي، إلى عالم الخمسينات والستينات مع كوكب الشرق أم كلثوم وفرقتها، التي صورها مة بأسلوبه الانطباعي الذي عكس فيه من خلال التكوين والألوان هالة تلك المرحلة وما حملته من إبداع بعيداً عن تعابير الوجوه والسالشخصية. وعبر عن وضوح ونقاء تلك المرحلة في صفاء الألوان الهادئة والمستقرة. وينتقل الزائر إلى عالم الحداثة، مع الأنثى الموجودة في لوحات الفنانة هند عدنان التي تنكفئ على نفسها في تأمل وقلق، بينما يصور زوجها الدسوقي المرأة في إطارها الأنثوي الخارجي، وهي تحاول استشراف المستقبل أو قراءة المحيط.

كما ترتسم على وجه الزائر ابتسامة عريضة أمام العملين النحتيين البرونزيين للفنان محمد الفيومي، اللذين يجسدان معالم وشخصية الريفي المصري وملامحه، بكل ما يحمل من عفوية وبساطة وتلقائية. وتتجلى جماليات العملين المتوسطي الحجم في المبالغة بأحجام نسب الجسد مقابل صغر حجم الرأس والأطراف، والقريبة من أجواء النحات الكولمبي فيرناندو بوتيرو. أما منحوتة المرأة لخالد زكي الرخامية الصغيرة، فتثير حيرة الزائر فلا يستطيع أن يحدد إعجابه بها أو حياديته، نظراً لأسلوبه غير المألوف في استطالة الجسد وتسطيحه حيث يبدو كالشراع الأسود الذي يحمل رأساً أبيضاً صغيراً بكتلته مقارنة بالجسد.

«الجانب المظلم من القمر» يضيء جماليات الفن المفاهيمي

 

يعتبر المعرض الجماعي (الجانب المظلم من القمر)، بمثابة نافذة يطل منها الزائر على نماذج من أحدث أعمال الفن المفاهيمي لثمانية فنانين شباب من ألمانيا والنمسا، تميزوا في عالم الفن بتجربتهم الجادة وفرادة أسلوبهم.

يكتسب هذا المعرض، أهميته من إتاحة الفرصة للتعرف على مضمون الفن المفاهيمي الذي يجمع بين الفكرة والأسلوب الفني الذي يرتقي بها، بعيداً عما هو سائد من تسطيح أو استسهال لهذا الفن. ويتجلى في أعمال الفنانين إلى جانب أفكارهم المبتكرة، براعتهم في الأسلوب الفني سواء على صعيد الرسم أو التصوير الفوتوغرافي، أو وسائط الفنون البصرية الأخرى.

ويتطلب فهم هذا النوع من الفن أن تعرف الزائر على تجربة الفنان لتقدير العمل المعروض أمامه، مثل الفنان مايكل سيلستورفر الذي طلى مجموعة من مصابيح الإنارة الطولية (نيون) باللون الأسود. يبدو العمل للوهلة الأولى بلا معنى، حتى يتعمق بتجربة الفنان التي يعتمد فيها على ألمعية الفكرة وتحويل ما هو مألوف في حياتنا إلى ومضة تكشف الكثير من خبايا الحياة. الإنارة السوداء ترمز إلى انطفاء جذوة الحياة من روح الإنسان بإرادته.

ويأخذ الفنان بيرنهارد بوهمان الزائر عبر تفاصيل لوحته في الفن السريالي التي تنم عن براعة عالية في الرسم، إلى أعماق اللوحة المتعددة الأبعاد عبر أنفاق متداخلة تعكس الرؤية المركبة والمعقدة للحياة المعاصرة. ويأسر بوهمان بصر المشاهد وروحه بألوانه الهادئة السحرية ليجول بدقائق التقاصيل قبل انتزاع نفسه من التماهي في عوالمها.

وينتقل مع التصوير الفوتوغرافي إلى الطرافة بمضمون عميق مع الفنان أولاف برونينغ، حيث التقط بعدسة كاميرته مشهدأ لغابة تتألم من خلال ربط البيئة بكلمات على شكل عيدان وأغصان الشجر والتي تتمحور جمعيها حول (آهات) الوجع الذي تتعرض له الطبيعة. وتكتسب لوحته جمالياتها من أصداء شكوى الكلمات المعلقة في فضاء الغابة.

زهرة التوليب بطلة رسومات فنان هولندي

 

يشعر الزائر لدى دخوله معرض (قوة الزهرة 2)، بانتقاله إلى عالم مشبّع بالمرح والطفولة مع الفنان الهولندي الشاب غابي غابي، كما يتردد كثيراً قبل أن تطأ قدماه سجادة زهر التوليب الوردية اللون، التي تمتد على طول الصالة لتقابله لوحة (رجل التوليب) بشخصيته الكرتونية المرحة على طول الجدار.

وتكتسب زهرة التوليب عند الفنان صفات الأبطال، لنشاهدها في رسوماته عبر أشهر الشخصيات الكرتونية مثل البحار (باباي) وراعي البقر (الكاوبوي)، و(فيلنستون) من العصر الحجري، لكي تنقل تلك الزهرة التي تشتهر بها هولندا، إلى عالم السينما حيث تأخذ شخصية شارلي شابلن ومارلين مونرو وغيرهما من الشخصيات الشهيرة في عالم الرياضة وعالم الإعلانات. كما يحل غابي مع زهرته في دبي لتأخذ مكانها في هيكل برج العرب، وبين أبراجها الشاهقة،ولتلهو مع البطريق في مشاهد استعراضية للمدن.

وتتجلى قدرات الفنان في تمكنه من الرسم التصويري والكاريكاتوري وإيقاع خطوطه الديناميكية السريعة، وجرأته التي تتجلى في ضربات فرشاته الجريئة العريضة منها والدقيقة، وبجمعه العفوي والمتناغم في اللوحة بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي، دون أي شعور بالتنافر على الرغم من اعتماده على رماديات الألوان كخلفية، وإبقاء صورة الزهرة برونقها الطبيعي.

قال غابي عن خصوصية تجربته (إنني سعيد أن أقدم معرضي الأول عن زهرة التوليب في دبي، وهي الزهرة التي تتغنى بها هولندا. أما اهتمامي بها فكان نتيجة غياب اهتمام الشباب في عصرنا بعالم الزهور. وحاولت من خلال ربطها بعالمنا المعاصر أن أعيدهم إلى جماليات عالم الزهور الذي بدونه نفقد حواسنا. ويعكس بطلي (رجل التوليب) أحلام الشباب في مختلف جوانب الحياة، ويسافر مثلي إلى مختلف بلدان العالم ويشاهد كل ما يأسر انتباهي في مدنها. كما طلبت مني العديد من الشركات العالمية في عالم الرياضية الترويج لمنتجاتها من خلال شخصية بطلي).

«رحلتي ..حروفي» معرض أصالة الخط وألوان الغرب

 

ينتاب الزائر لحظة دخوله معرض (رحلتي .. حروفي) للفنان الإيراني المخضرم أبول أتيغيتشي في غاليري كوتيارد بمنطقة القوز في دبي، شعور بالتفاؤل والحبور لما يحيط به من مساحات واسعة من الألوان المشرقة والحيوية، لينتقل بعد تأمله للوحات ومعانيها إلى حالة من المتعة البصرية والفكرية.

يتولد هذا الشعور من أعمال الفنان الضخمة في فن الحروفيات التي تجاوزت هيمنة اللون على المضمون، حيث كان الحرف المهيمن على العمل بالتوازي مع اللون. وتتجلى قدرات الفنان وخصوصيته في تركيب وتطويع الحروف والكلمات بأسلوب أفقي وعمودي ولتبقى مقروءة بالنسبة للزائر. اعتمد الفنان في أعماله على كل من الخط الكوفي والثلث، وأبرز أعماله في المعرض اللوحة الجدارية الضخمة (البسملة) بعرض أربعة أمتار وارتفاع مترين. ولهذه اللوحة كما قال أتيغيتشي حكاية، (سبق أن عرضت هذه اللوحة في قاعة المؤتمرات لكبار الشخصيات في مركز دبي المالي العالمي.

وبعد انتهاء العرض واسترجاع اللوحة طلب مني مخرج الفيلم الإماراتي (دار الحي) على مصطفى استعارة اللوحة لتكون خلفية لبعض مشاهد الفيلم. وبالطبع سررت كثيراً بهذا الاهتمام وتلك المبادرة). وتتجلى فلسفة الفنان التي تتمحور حول الحب في العديد من أعماله منها كلمة (عشق) و(نون) التي اعتمد فيها أسلوباً فنياً مستلهماً من اسلوب الفنان الروسي الحديث (فاسيلي كاندينسكي) الذي اشتهر بأسلوبه التجريدي الجميل القريب من أحرف الموسيقى والأشكال الهندسية.

وقال لدى سؤاله عن جرأته في استخدام الألوان المشرقة الغربية التي أعادها إلى الطابع الشرقي بورق الذهب، (درست فن رسم الشخوص في باريس، قبل تعلمي الخط العربي قبل 15 عاماً وساعدتني ثقافتي الشرقية على الجمع بين العالمين، خاصة وأن عشقي الأول هو لقصائد الأديب الصوفي جلاد الدين الرومي الذي احتفي به في العديد من أعمالي منها (مولانا سلطان السلاطين). أما التحدي الأكبر لي فكان في رسم الحروفيات على بياض اللوحة بأسلوب يتطلب الكثير من الدقة والمهارة حيث لا يمكن تصحيح أي ضربة للفرشاة خاصة عند وضع ورق الذهب عليها).

 

جماليات

معرض وداحي مر آة عمارة الأزمنة المعاصرة

يعتبر معرض (مساحة للتنفس) الفردي الأول في منطقة الشرق الأوسط للفنان الجزائري إدريس وداحي ، بمثابة مرآة لواقع العمارة في الأزمنة المعاصرة، التي غيبت من مفهومها حضور الإنسان أو جماليات معايير العمارة لصالح متطلبات الحداثة. يشاهد الزائر في معرضه، 10 لوحات ضخمة تعكس مفهوم العمارة المدنية الحديثة المواكبة لأحدث تقنيات العلم التي اعتمدت على جماليات الشكل الخارجي، من ناطحات السحاب إلى السطوح الزجاجية، التي اشتهرت في بداية القرن العشرين والتي غيبت من اعتبارها الجانب الإنساني.

ترجم وداحي هذا الغياب، من خلال تعرية الواجهة الخارجية للعمارات، ليقف الزائر أمام أعمدة وجدران لمكعبات ومستطيلات متزاحمة فوق بعضها البعض، والمتداخلة بخوائها اللانهائي لمدينة خالية من أية لمسة إنسانية حيث حوصر الإنسان في عزلة عن نفسه ومحيطه. أما رموز الطبيعة فتجلت بعدد محدود من الأشجار والنباتات الخضراء، التي تبدو خجولة بحضورها الكئيب والبلاستيكي أمام الجبال الاسمنتية والزجاجية. وأبرز أعماله في المعرض اللوحات الثلاث التي سبق وشارك فيها في بينالي القاهرة 2010 قبل اندلاع الثورة بوقت قصير، حيث نشاهد في خلفية إحداها التفجيرات التي تشير إلى التمرد على مفهوم تغييب الإنسان في عالم هيمنت عليه الأرقام وثقافة التعليب.

أما جماليات أسلوب وداحي فتتجلى في مهارته وتمكنه من أدواته في الرسم وسيطرته على التكوين، كذلك القدرة على اختزال واقع الإنسان بأسلوب رمزي ومبسط كما في لوحتيه (فوق الحاجز) التي رسم فيها حاجز من الأسلاك المعدنية التي استطاع الإنسان اختراقها، لينطلق إلى فضاء حريته خارج الحصار المفروض عليه. وتحمل هذه اللوحات الكثير من المعاني التي يمكن إسقاطها على العديد من الظواهر الإنسانية في الزمن المعاصر. أما قوة تأثير الأعمال فتنبع من المساحات اللونية الهادئة التي تكمن خارج الحاجز المشغول بدقة.