قال الناقد والكاتب اللبناني عبده وازن: أن بعض المترجمين العرب، يصرون على نقل أمهات النصوص العالمية إلى العربية عبر لغة وسيطة. وهذه الظاهرة، غير السليمة، يقبل عليها المترجمون العرب من غير هوادة. جاء هذا خلال محاضرته "العرب والترجمة الحديثة للملاحم العالمية: الرهان والتحدي" والتي ألقاها مساء الأحد الماضي في مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام في أبوظبي والذي قدمه فيها الاعلامي السعودي سعود الدربي.
الإلياذة بترجمتين
ما بين العام 1904 والعام 2004 صدرت ترجمتان لملحمة "الإلياذة" للشاعر "هوميروس" إلى العربية، وصف وازن الأولى بالحدث النهضوي، والثانية بالحدث المعاصر. وقال: إنهما خلاصة مواجهة للغة الأم التي كتبت فيها الإلياذة، بخلاف ترجمات عن لغة وسيطة، كالفرنسية والانجليزية، التي تبقى عرضة للشك والمساءلة النقدية، فانتقال النص من لغة الى أخرى فأخرى يفقده روحه. وأكد وازن: لم يعد مقبولا أن يقرأ الفرنسي رواية يابانية ترجمت عن الانجليزية. فالترجمة عن لغة وسيطة ناقصة ومصيرها السقوط، خاصة إذا أعقبتها ترجمة للنص نفسه عن اللغة الأم.
وقال: اللافت أن القاهرة أطلقت الترجمتين، والمترجم الأول الشاعر اللبناني سليمان البستاني، الذي عرّب "الإلياذة" خلال عشرين عاما. وتضافرت بالترجمة الجديدة جهود خمسة مترجمين على رأسهم أحمد عثمان الذي حرر الترجمة وراجعها وقدم لها. كما أنجزت ترجمات أخرى ما بين هذين التاريخين، ولم تتم عن اليونانية مثل ترجمة دريني خشبة، وممدوح عدوان، وغيرهما.
الترجمة الكلاسيكية
أكد عبده وازن: تصعب المقارنة بين ترجمة البستاني الكلاسيكية التي صاغها شعرا عاموديا، وصيغت الثانية نثرا على غرار الترجمات العالمية. وأشار: بالعودة لترجمة البستاني، تبدو صعبة لصوغها نظما قائما على "المماثلة" بين الإغريقية والعربية، بجانب ما تعج به الإلياذة من أسماء وتواريخ وعلوم، نسجها البستاني داخل البنية السردية المركبة. وضمت الصيغة العربية أحد عشر ألف بيت، بينما تتكون الإلياذة من ستة عشر ألف بيت. وأضاف: نقل البستاني الإلياذة مستعينا بترجمات كالإنجليزية والفرنسية واللاتينية. واعتمد النظام العروضي. وجعل من النظم فنا بذاته. واعتمد التنويع، واستعمل أشكالا شعرية تقارب الموشحات، وقامت ترجمته على مبدأ "الجملة" بقالب عربي.
وأوضح وازن: لا تقل أهمية "المقدمة" عن الترجمة، وكذلك الشرح الذي "رصعه" بزهاء ألف بيت "مما قاله العرب بمثل معاني الألياذة أو حوادثها". بهدف تجذير تعريب الملحمة في التراث العربي، لهذا تطرق البستاني بمقدمته لإعراض الشعراء الجاهليين عن نظم الملاحم فهي ليست من طبعهم، ولم يجذبهم ما وراء الطبيعة ولا التخيل الشعري. إلا أن البستاني وجد في التراث ما يمكن تسميته بـ "الملحمة" وتجلى هذا بـ "سفر أيوب" و"رسالة الغفران". وأضاف: لم تنقل "الإلياذة" للعربية لأسباب دينية، وإغلاق فهم اليونانية، وعجز النقلة عن نظم الشعر العربي. وتصلح "المقدمة" أن تكون كتابا، إذ أمعن البستاني بتشريح "الإلياذة" تشريحا شبه بنيوي.
ترجمة حديثة
أشار عبده وازن: في الترجمة الحديثة للإلياذة، ساعد العمل الجماعي للمترجمين المصريين، لطفي عبدالوهاب يحيى، منيرة كروان، السيد عبدالسلام البراوي وعادل النحاس. المتخصصين بالأدب اليوناني، على مواجهة الغموض، مثل تعريب أسماء الآلهة الاغريقية والأبطال والأعلام الجغرافية والأماكن، وغير ذلك. واستشهدا بالمقدمة: الأدباء الذين تأثروا بهاتين الملحمتين لا يحصون أمثال فيرجيل ودانتي وميلتون وشكسبير وغوته، قديما. وجيمس جويس وكفافيس واسماعيل قدري حديثا.
وأضاف : استعرض عثمان التضارب حول ميلاد هوميروس، ليخلص للتأكيد: إنه نجح بترسيخ "الخيال والتعاطف" اللازمين للقارئ المعاصر، ويمكن استخلاص أربع صفات تميز أسلوبه وهي السلاسة، جلاء المضمون، البلاغة اللغوية، والسمو في الكتابة. واختتم وازن بالتأكيد: من يقرأ "الإلياذة" بترجمتها النثرية الجديدة يشعر أنه يقرأ، نصا سرديا ميثولوجيا هادرا كالنهر. كونها منقولة عن الإغريقية، لكن ينقصها التنبه لبعض التراكيب، والجمل البادية على قدر من الوهن اللغوي، وبعض الأخطاء، صرفا ونحوا. الإلياذة والأوديسة
خص أحمد عثمان الترجمة بمقدمة مستعيدا قضايا "الإلياذة" وأسرارها و"شعريتها" وألغاز هوميروس، كما تناول مثل البستاني، عدم إقبال العرب القدامى على ترجمة "الإلياذة". وقال: سمى عثمان ظاهرة هوميروس بـ"اللغز الهوميري" فهم لا يعرفون عنه إلا القليل، ولا معلومات عن سيرته من ملحمتيه "الألياذة" و"الأوديسية". وجاءت سيره من نسج المخيلة. إلا أنه كان ضريرا وأن جذوره تضرب في جزيرة خيوس. وأوضح: ذهب باحثون أن هوميروس ويعني "الرهينة أو الأعمى" لم يوجد كشخص حقيقي، إنما ابتدعته المخيلة الأسطورية، وذهب باحثون: أن "الالياذة" هي من إبداع هوميروس الشاب المفعم بالحماسة فيما "الأوديسيه" نتاج سنوات النضج والحكمة.
