مع تحول العالم إلى عالم مادي تحكمه ندرة مالية مقابل الكثرة العالمية من البشر، شهدت الآونة الأخيرة، بحسب رؤية الكثير من النقاد، تحول عشاق الأعمال الفنية إلى مجرد "تجار سلع"، حيث بات الأثرياء جداً يفقدون اهتمامهم بالقيمة الجمالية للأعمال المهمة، وأصبحوا في المقابل مهووسين بقيمتها المالية.
الفن كاستثمار
وسلطت صحيفة "إندبندنت" البريطانية، في تقرير نشرته أخيراً، الضوء على هذه الظاهرة، التي باتت تؤرق عشاق الفن الحقيقيين. حيث قال أنتوني ماكنرني، رئيس قسم الفن المعاصر في دار "بونهامس" للمزادات العالمية: "يتحدث المزيد من الناس عن الفن بصفته استثماراً. إذ يتساءل كثيرون بقولهم: هل يحمل هذا العمل قيمة استثمارية؟
هل يمكننا أن ندرجه ضمن فئة الأصول؟ إنني قلق بشأن ذلك، فالفن عبارة عن سوق متقلب إلى حد كبير". وأضاف: "يشعر كثير منا بالإحباط لأن الأمر بات يتعلق دائماً بالتقديرات والصفقات، لا الفن. لقد أردنا التحدث عن طبيعة الأعمال الفنية، فهي التي تحدد أهمية تلك الأعمال". وأردف قائلا: "حين بدأت العمل في دار كريستيز للمزادات قبل عدة سنوات، كان الزبائن يسألونني عن طبيعة العمل الفني أو الفنان. وفي أواخر عام 2007، راحوا يسألونني قائلين: كم سيكلفني هذا العمل؟ وكم ستكون قيمته؟ وذلك عندما يصبح المرء وسيطاً في تداول السلع".
اقتناء وأبهة
واتفقت المستشارة الفنية تانيا بكريل مع ماكنرني في الرأي، إذ قالت: "يأتي المزيد من المشترين من ذوي وجهات النظر الاستثمارية إلى السوق". وانتقد جامع القطع الفنية تشارلز ساتشي الجيل الجديد من مشتري الأعمال الفنية فاحشي الثراء، واصفاً إياهم بـ"المبتذلين والسطحيين على نحو يبعث على الكآبة". وتساءل عما إذا كانوا يحبون الفن أو يطمحون فقط لاقتناء "صور تحمل علامات تجارية كبرى". وأوضح ماكنرني أن نزعة استهداف الأسماء الكبيرة في عالم الفن بدأت حقيقة في عام 2005، إلى أن نضب السوق في أعقاب انهيار بنك "ليمان براذرز" بعد ثلاث سنوات. وقال: "لقد بدأت هذه النزعة مجدداً الآن في ظل ارتفاع الأسعار إلى مستويات هائلة".
مزادات فنية
ونظمت دار "كريستيز"، أخيراً، أسبوعين من المزادات الكبرى، محققة مبيعات بقيمة تجاوزت 135 مليون جنيه استرليني. وجاء ذلك بعد تسجيلها عائدات قياسية من خلال المزادات الفنية التي أقامتها عام 2011. وأشار ماكنرني إلى أنه في حين أن مشتري الأعمال الفنية المعاصرين "لم يتغيروا كثيراً على امتداد السنوات الخمس عشرة أو العشرين الماضية، فإنهم يواجهون الآن منافسة كبيرة من جانب مستثمرين ناشئين يتسببون في ارتفاع الأسعار. وقال: "يتم دفع المشترين التقليديين إلى مستويات تكلفة أعلى بكثير من قبل أشخاص من الشرق الأوسط أو الهند أو الصين أو أميركا اللاتينية".
قائمة
شملت المبيعات الجديرة بالتوقف أخيراً عندها عملاً للنحات البريطاني هنري مور بيع مقابل 19,1 مليون جنيه استرليني، أي ما يقرب من أربعة أضعاف الحد الأعلى لتقديرات ما قبل البيع. كما شملت لوحة للفنان الإسباني خوان ميرو بيعت بـ16,8 مليون جنيه استرليني. ولم تحقق دار "سوثبيز" المنافسة عائدات كبرى لعدم تمكنها من بيع أعمال لكل من ميرو وغوستاف كليمت.
ومع ذلك، فقد بيعت لوحة "مدخل غيفرني في الشتاء" لكلود مونيه بمبلغ 8,2 ملايين جنيه استرليني، في ليلة بلغ إجمالي عائداتها 78,9 مليون جنيه استرليني. وتظهر لوحة "مدخل غيفرني في الشتاء"، التي رسمها الفنان الفرنسي كلود مونيه المتوفي عام 1926، منظرا طبيعيا مكسوا بالثلج. وتتميز اللوحة، التي رسمت في عام 1885، بأنها لم تعرض أمام الجمهور قبل طرحها أخيراً في دار سوثبيز للمزادات، إذ بقيت منذ عام 1924 ضمن مجموعة الصيدلاني والصناعي الباريسي هنري كانون.
