كشف الكاتب والمترجم الكندي دنيس جونسون ديفيز، لـ«البيان» عن قرب صدور كتابه «سيرة محمدّ» الموجه للأطفال، قائلاً: «سيصدر الكتاب عن مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام.

وسيكون متوافراً في معرض أبوظبي الدولي للكتاب في مارس المقبل. إلى جانب هذا تحدث ديفيز عن تجربته مع الترجمة من العربية إلى الإنجليزية، وأهم العقبات التي واجهته، مسترجعاً تاريخاً طويلاً قابل فيه أهم الكتّاب والمفكرين العرب، ورصد عقوداً من عمره يترجم لأجيال من المبدعين العرب. أي بمعنى من المعاني، أسهم هذا الاسم الكبير في مّد الجسور الثقافية بين العالمين العربي والغربي.

كان لا بد من توجيه سؤال عن كتابه الجديد «سيرة محمد»، وبدايات تأليفه للسيرة النبوية، فأجاب قائلاً:

 

 

 

إنها قصة تعود إلى الثمانينات، عندما كنت في لندن، في زيارة لصديق سوري متزوج بإنجليزية، ودخل ابنه علينا، فسأله أبوه ماذا تعرف عن معركة بدر، فأجاب الصبي بالإنجليزية لأنه لا يجيد العربية، بأنه لا يعرف شيئاً، وفي المدرسة لا يتكلمون عن هذه الأمور. عاد الأب ليسأله في أمور أخرى: مثل من هو عمر بن الخطاب؟

وغيرها من الأسئلة، وكانت الإجابة دائماً بالسلب، إلى أن سأله الأب: ما هو دينك؟ فقال الولد باعتزاز: أنا مسلم. لهذا سألني الصديق إن كنت أعرف كتاباً عن السيرة النبوية بالإنجليزية، فأجبته بلا. وطرح عليّ إمكانية تأليف كتاب عن السيرة، وأعطاني شيكاً بمبلغ محترم آنذاك.

 

كتاب السيرة

ما المصادر التي اعتمدت عليها في تأليف الكتاب؟

كمرجعية أخذت كتباً كثيرة عن السيرة النبوية، وفي الوقت ذاته، كان لدي بيت منعزل في ايرلندا، ذهبت إليه كي أتفرغ للكتابة وبذلت فيه جهداً كبيراً. وعندما انتهيت من الكتاب الذي ألفته بالإنجليزية، سلمته للصديق الذي أرسله من دون أن أدري لأحد الشيوخ في السعودية، وبدوره أرسل رسالة، قال فيها إن هذا الكتاب مليء بالأخطاء، وإن الشخص لا يعرف أي شيء عن حياة الرسول، فاستغربت، خاصة وأني أستندت إلى مراجع عربية عن الموضوع.

 

كيف جاءت ردة فعلك على هذا الكلام؟

كان صديقي عز الدين إبراهيم، رحمه الله، يعمل مستشاراً ثقافياً للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فقابلته وأطلعته على رسالة الشيخ السعودي، فقرأ الجواب، وقال: يا ديفيز ألم تنتبه إلى وجود الأخطاء النحوية في رسالة الشيخ؟ وبالفعل كانت هناك ثلاثة أخطاء.

وهو ما يدل على أنه لا يعرف العربية جيداً، وهو ما جعل عز الدين يقول لي: كيف يحكم على كتاباتك؟ ما قرأته صحيح. وهذا ما دفعه أيضاً ليذهب معي إلى الصديق الذي كلفني بتأليف الكتاب، وقال أمامه «الكتاب خال من الأخطاء وديفيز اطلع على حياة الرسول»، منوهاً إلى الأخطاء النحوية الواردة في رسالة الشيخ.

 

هل قمت بنشره من بعدها؟

أخذنا النص وحاولنا مع أكثر من ناشر، ولم نستطع أن نجد أحداً ينشر كتاباً عن حياة الرسول، فمن هو الذي سيقرأ كتاباً عن حياة الرسول بالإنجليزية. وفي ذلك الوقت كان لرياض الريس مكتب في لندن، فقدمنا له الكتاب، ولكنه كان سيترك لندن وينتقل لبيروت، فأخذ معه الكتاب إلى بيروت، ووقع في ذات الخطأ عندما أعطى الكتاب لرجل لبناني ليقرأه ويعطي رأيه فيه.

واللبناني أراد أن يخرج أخطاءً ويبين معرفته بالإنجليزية، ولهذا شطب من المقدمة، أو عدل فيها، وجرت التغييرات من دون أن أعلم، وكان من المفروض أن يرسل الناشر التعليقات، فطبع الكتاب مع أخطاء اللبناني.

 

هل حاولت أن تعيد طباعته حينها؟

كنت في الثمانينات على اتصال مع إيزابيل أبوالهول في دبي، التي عرفتها منذ عملي كمدير للإذاعة هناك، وأخبرتها عن الكتاب، لكنها قالت لي: إنها توقفت عن النشر، ولما قابلت الشاعر حبيب الصايغ، المدير العام لمركز سلطان بن زايد، أخبرته أن لدي كتاباً للأطفال بالإنجليزية، فتعهد بطباعته مصوراً، وهكذا سيخرج الكتاب موجهاً للأطفال من عمر 10 إلى 15 سنة بعد تاريخ طويل.

 

كيف تلخص تجربتك في هذا الكتاب للأطفال؟

لم يخطر في بالي أني سأكتب يوماً للأطفال، ولكن لما جاء رجل وقال لي لو كتبت كتابين للأطفال في المجلس البريطاني سينشران. ومن يومها ألفت وكتبت نحو أربعين كتاباً، معظمها مأخوذ من الأدب العربي، وموجه للأطفال.

 

مذكرات تحتفل بالإبداع

كتبت سيرتك الذاتية فهل أصدرتها؟

كتبت السيرة الذاتية منذ زمن، ولكن كما يحدث دائماً واجهت مشكلة النشر، لأن الإنسان إن لم يكن في لندن، وعلى تواصل مع الناس، فمن الصعب أن يجد ناشراً.

ما الذي دفعك لكتابة مذكراتك ولماذا بالإنجليزية؟

كتبت المذكرات بالإنجليزية لأنها لغتي. من الاستحالة أن يؤلف أي كاتب مهما أجاد لغة أخرى من دون لغته الأم. وأكرر دائماً أن على الإنسان أن يؤلف بلغته الأصلية. كتبت المذكرات لأن حياتي متنوعة وغنية. فذات مرة عندما كنت أجمع كتبي كي أنقلها إلى المغرب مكان إقامتي الجديد بعد مصر.

وجدت مجلة «الكتاب» الصادرة في سنة 1946 وعندما كنت أقلبها وجدت فيها مساهمات لجميع المشاهير. ومن ثم رأيت مقالاً لي عن الأدب الأوروبي والنقد الأدبي الأوروبي. وبعد هذه المقالة، كتبت الكثير، إذ هناك تنوع غريب في حياتي، فأنا مولود في كندا، ولما بلغت عامين أخذتني أسرتي إلى مصر وبقينا فيها سنتين،.

ومن ثم السودان وجلسنا فيها أربع سنوات، ومن السودان ذهبنا إلى أوغندا، التي كنت أسكن فيها وأذهب إلى مدرسة في كينيا. وبعدها عملت في القسم العربي في «البي بي سي»، ومن ثم ذهبت إلى مصر، ودرّست في الجامعة المصرية الجديدة تحت إشراف طه حسين. ومن ثم سافرت إلى ايرلندا من ثم إلى إيران ودول كثيرة أخرى.

 

ما الأمور التي ركزت عليها في مذكراتك؟

ركزت على فكرة أنه لا يوجد من هو مهتم بترجمة الأدب العربي، وقلت إن كنوز الأدب العربي تستحق أن تُنقل إلى الإنجليزية واللغات الأخرى، فبدأت بالترجمة سنة 1946 وأول كتاب ظهر لي مجموعة قصصية لمحمود تيمور، وقمت بنشرها على حسابي.

ولكن تيمور كان كريماً، وأعطاني المبلغ الذي دفعته. ترجمت من بعدها كتاباً آخر جمعت فيه قصصاً من العالم العربي كله، ولم ينشر فوراً. وكنت أمزح مع يحيى حقي، الذي كنت أراه كلما حضرت لمصر، وكان يقول لي يا ديفيز: ما الذي حدث في كتابك المشهور؟

فأجيب انتهيت من الكتاب لكني لم أجد ناشراً، إلى أن صادفت رجلاً عنده دار «أوبتك يونفرستي برس»، فوافق على نشر الكتاب، على شرط أن يكتب المقدمة أحد الأشخاص الذين يحتلون مركزاً مهماً. لم يكن في ذلك الوقت اهتمام بالحركة الأدبية الجديدة، فكتبت حينها لرئيس القسم العربي في «كمبردج» لغرض كتابة مقدمة لكتابي.

كان ذلك في السبعينات، بعد الحرب مع إسرائيل. وفي ذلك الوقت كان هناك شعور سلبي ضد العرب في انجلترا، ولم يشتر أحد الكتاب، لا في بريطانيا ولا في العالم العربي ولا أية حكومة أو مؤسسة أو شخص. وهكذا فشل الموضوع، مع أن الكتاب كان جميلاً، رسم غلافه فنان صديق من السودان.

 

إذاً، لم يتفاعل الغرب مع الكتب العربية المترجمة؟

كانوا يعتقدون في العالم العربي، أن هناك من يجيد اللغة العربية في لندن. وذات مرة كنت عند يوسف إدريس، وسألني أحد الشبان عن رأي الإنجليز في أعمال نجيب محفوظ. وكان هذا قبل حصوله على «نوبل»، وأجبت بصراحة لا توجد لديهم أية فكرة عن نجيب محفوظ، لأن أعماله لم تترجم آنذاك. فقال لماذا لا يقرؤوا له بالعربية؟ يمكن أن يقرأه أنا أو اثنان في إنجلترا ممن يجيدون اللغة العربية.

لكن ما شجع موضوع ترجمته لاحقاً، أنه حصل على الجائزة، وبدأت أعمل مع شخص له علاقة بالنشر، وأصدرنا 22 كتاباً، مترجماً من العربي لكل من يوسف إدريس وطه حسين، ونجيب محفوظ، وغيرهم، لكن بيع النسخ كان قليلاً جداً. والناشرون لم يواصلوا النشر لأنهم كانوا يبحثون عن المال ليس إلا.

 

ألم تجد بعض الجهات التي تبنت ترجماتك؟

عندما كنت في مدريد، تلقيت دعوة من الجامعة الأميركية في مصر، من أجل إلقاء بعض المحاضرات، فأجابتهم بأني لا أحب التدريس، لكن ليس لدي مانع أن أعمل كمستشار، وبالفعل جلست في مصر مقابل تأمين شقة أسكن بها، إلى أن جاء أحدهم بعد سنتين وطلب مني الشقة، فقلت لهم أنا أعمل هنا على هذا الأساس، وعندما تأخذوها مني، يعني ذلك أنني أعمل مجاناً.

وأنا لا أريد أن أعمل مجاناً، فتركت الجامعة الأميركية وسكنت في إسبانيا. يبقى أن ترجمة الكتب ونشرها أمر صعب للغاية، خاصة وأن ترجمة الكتب عن العربية لا توفر واردات مالية، لأن الأدب العربي لم يكن معروفاً، ونجيب محفوظ لم يكن قد حصل على نوبل بعد حيث اطلق الادب العربي عالميا لكن و تغيرت الامور بمجرد حصوله على هذه الجائزة التي رفعت من منزلة الأدب العربي في العالم.

 

تجربة قصصية

 

«نشرت في بداياتي روايتين بأسماء مستعارة، كما أصدرت مجموعة قصصية في العام 1999 بعنوان «مصير أسير»، وتتحدث عن أسير ألماني هرب من الأسر وذهب للعيش في مصر، وتزوج امرأة يونانية وقبل نشرها، اقترح علي الناشر المحترف أن أقوم ببعض التعديلات وبالفعل كنت أغير في الوقائع، وأرسلها له في الوقت، إذ لم يكن الإيميل والإنترنيت موجودان. لذا كنت أرسل بالبريد. وتكمن أهمية المجموعة أن أحداً لم يكتب عن العالم العربي من قبل، ومن وجهة نظر شخص أجنبي عاش فيها».

 

 

الطيب صالح

 

«الطيب صالح، الذي ترجمت كل أعماله إلى الإنجليزية كاتب ممتاز في نظري، وفي بداياتي كنت أرسل لمجلة تصدر في لندن بعض القصص وكانوا يرفضونها، ولكن عندما أرسلت قصة «أصوات» للطيب صالح نشرتها المجلة، ومن ثم نشرت له قصصاً أخرى، فهو كاتب موهوب وكذلك يوسف إدريس».

 

خيار المغرب

 

«اخترت المغرب، بعد إقامتي في مصر، لأنها أكثر استقراراً من أماكن كثيرة، وكنت قد ذهبت إلى هناك من قبل، عندما كنت على خلاف مع الجامعة الأميركية في مصر، ومن هناك كنت أرسل عمودي إلى صحيفة «البيان»، وأراجع كتباً كثيرة غير منشورة، خاصة تلك التي أخذتها إيزابيل أبو الهول للنشر، وبعد ذلك توقفت عن النشر.