ما إن يدخل الزائر معرض (السيد سلبي) بغاليري اعتماد في منطقة القوز، حتى يدرك أنه أمام مشهد فني مختلف، لينتابه شعور أقرب لمن عاد إلى بيته بعد رحلة اغتراب طويلة. وما عزز هذا الشعور إضافة إلى أسلوب الفنان الإيراني مهرداد مهيب علي الكلاسيكي القريب من الواقعية السحرية، شخوص لوحاته الضخمة في المعرض الذي يستمر حتى 18 فبراير المقبل، والتي تحكي كل منها قصة من واقع الإنسان واغترابه في العصر الحديث.
يسرد مهيب علي قصصه الأربع عشرة عبر تجميد لحظة زمنية من إيقاع حياة شخوصه أو حياتنا، حيث يقرأ الزائر ما بين السطور في تفاصيل اللوحات المليئة بالدلالات والتأويلات. أما تعابير الوجوه فتحمل المشاهد إلى عالم كل شخصية وتأملاتها بين أزمنة الماضي والحاضر والمستقبل. يعبر عن ذلك في لوحة (الأرشفة) حيث تبدو المرأة التقليدية خلف الطاولة التي تجلس عليها شابة عصرية، بينهما معجمان ضخمان على الطاولة، يرمزان إلى اختلاف لغة حياة كل منهما.
تتجلى الأبعاد السلبية في لوحتين ضخمتين أولهما (لا تقلق بشأن قسم هـوراتـي) والتي استلهمها من اللوحة الشهيرة للفنان الفرنسي جـاك لـوي دافيـد 1784، حيث يتجلى بين القسم المعاصر العلوي مقارنة بالقسم السفلي المستوحى من لوحة دافيد لتكون طاولة القراءة الفاصلة بينهما، حيث يتجلى في الزمن المعاصر الإيقاع الرتيب المجرد من الطموح والمتجسد في صفحات الكتب البيضاء. وكذلك تحول سيوف الفرسان إلى سكاكين منزلية لقطع الفاكهة. ويصل هذا الشعور إلى المشاهد من خلال تباين اللونين، بين الباردة المسطحة والحارة العميقة.
ينتقل الزائر مع كل لوحة إلى سيناريو مختلف بأبعاده ومعانيه، لنجد أن مساحات الظل تطغى على معظم اللوحة مقابل مساحة ضئيلة للنور الساطع، الذي يبدو لكأنه يخيف الشخصيات التي تسكن إلى نفسها وغيرها في البعد عنه، وإن كان يصيبها بشيء من الملل. ويمكن للمتعمق في تاريخ إيران وحضارته التقاط العديد من الإشارات والرموز. ويعلق مهيب على ذلك بقوله: "لنقل أن أسلوبي يندرج ضمن أسلوبي في "الواقعية الإبصارية"، أي الذي يعتمد على ما هو أبعد من رؤية العين المجردة، وطرح المثال التالي تأكيداً لرؤيته، (هل ترونني الآن وبعد جولتنا معا في المعرض وحوارنا، بنفس العين التي رأيتموني فيها لحظة دخولكم؟)، وبالطبع نترك الإجابة لمخيلة القارئ.
