"الرواية.. شعر الدنيا الحديثة".. جملة فارقة في محاضرة الباحث والناقد الدكتور جابر أحمد عصفور، أول من أمس في ندوة الثقافة والعلوم بدبي، أكد فيها مناقشة لـ عباس محمود العقاد الذي اعتبر أن بيت شعر واحد يجيب عن رواية كاملة، لكنه ضم صوته إلى صوت الأديب الراحل نجيب محفوظ في رده على العقاد عبر مقالة وصفها بالتاريخية كون الرواية ديوان العرب الجديد، تأصيلاً لمفهومها المتزامن مع تطور الصناعة والعلم في المجتمع، وأن لكل عصر أدبه الخاص. جاء ذلك خلال ندوة بعنوان "قضايا الرواية العربية"، التي تعتبر من أبرز أنشطة ندوة الثقافة والعلوم.

وكان في مقدمة حضورها الأديب محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، وسلطان صقر السويدي رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم، ومجموعة من الأدباء والمثقفين والمهتمين بشأن الرواية في الوطن العربي. وأدارها الأديب علي عبيد.

 

ممارسة إنسانية

هل يمكن اعتبار الرواية فن عربي أصيل أم دخيل؟ سؤال استفتح به الأديب علي عبيد إرهاصات المؤرخين في زمنية ولوج الرواية وأبعادها المختلفة في الوطن العربي، ليجيبه د. جابر عصفور وبكل استرسال أنه لا يعتقد أن هذا الجنس من الأدب ينتمي إلى أمة بحد ذاتها، وإنما اعتبرها ممارسة إنسانية متأصلة في الذات البشرية، موضحاً أن منتصف القرن التاسع عشر هي الولادة الحقيقية لها رغم اختلاف المؤرخين على الرواية العربية الأولى وزمنية ظهروها.

وأوضح عصفور أن ازدهار الرواية تحقق عندما بدأت تتشكل مدينة متعددة الثقافات، وصعود لطبقات وسطى انفصلت عما هو قديم وسعت للتواصل مع الحديث، وحدوث اتصال نوعي مع الآخر وهم الغرب.

 

قضايا القرن التاسع عشر

" ما زالت الرواية العربية تبحث في أسئلة القرن التاسع عشر"، هنا يكشف عصفور أن الرواية العربية مازالت تبحث في قضايا ومشكلات كانت موجود في القرن التاسع عشر، وهو الحديث عن المسكوت عنه والذي كتب من باب الاحتجاج، والدال على أن الرواية العربية لم تجب عن العديد من الأسئلة. ومن أبرز هذه القضايا المطروحة: روايات في تشكل ملامح المدينة، عبر استثمار الأحداث في بيان ملامح المدنية وتفاصيلها في الحياة الإنسانية.

 ومشكلة الاضطهاد الديني المتمرس ضد اختلاف التوجهات الدينية، والهوية وضرورية الجمع بين الأصل والمعاصرة، مثل رواية خليل خوري بعنوان "وي.. إذن لست بإفرنجي". وقضية العلاقة بين الدين والعلم والمال، وهل هي علاقة تضاد؟ وأزمة التميز ضد المرأة، والنظرة الذكورية التي لاتزال قائمة إلى يومنا هذا. وأخيراً جدليات العلاقة مع الآخر وهم الغرب وعلاقتنا معهم. وبين عصفور أن الغريب في الموضوع أن هذه أسئلة أساسية لا تزال تطرح إلى الآن.

 

"الأكثر مبيعاً"

بين عصفور أن الرواية العربية استمدت روحها في مرحلة ثورة الشباب 1919، والذي نتج منها عباس محمود العقاد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم وغيرهم. أضاف إلى كارثة 1967 وسقوط المشروع القومي، الذي يعد أبرز التحولات فيها، مما تسبب بظهور كتّاب أنشأوا الرواية الستينية، ومنها ظهرت أيضاً جوائز الرواية التي ساهمت بصناعة موجه من الازدهار صاحبها في مطلع الثمانينات، واعتبره عصفور مؤشراً لزخم روائي في مستويات الكم والكيف.

وأشار عصفور إلى الرواية التسعينية وما بعدها، في أنها تأتي دفاعاً عن القومية ضد العولمة، باعتبارها ردة فعل للخوف على مفهوم الهوية العربية". ومن جهة أخرى، رأى عصفور أن هناك فروقات بين الرواية العظيمة والرواية الرائجة التي تدعي العظمة،لافتا إلى أن عامل الـ "بيست سيللر" أو الأكثر مبيعاً يلعب دوراً في تصنيف الروايات على المستوى التجاري بعيداً عن الغنى الأدبي والقيمة الفعلية للمضمون. وأوضح عصفور أنه يأتي هنا دور النقاد وبعدهم عن الانشغال بالتفسير إلى مرحلة التقييم.