أن يرحل الأدباء والكتّاب فهي خسارة فادحة على جميع الصعد، فهم الذين يشكلون ضمير أممهم في التاريخ، بل إن الأدب هو في جوهره تاريخ روحي مواز للتاريخ الفعلي. فهؤلاء صاغوا ما لا يمكن أن يُصاغ في هذا الشكل الأدبي أو ذاك، وأرخوا لتاريخ البشر ما عجزت عن كتابته المؤلفات السياسية.
فقد اعتاد العالم أن يقوم بجردة حساب عن هؤلاء الذين ودعوا عالمنا ليتركوا لنا مؤلفاتهم التي تعيش معنا من بعدهم إذ شهد عام 2011 رحيل عدد كبير من أبرز الأدباء العرب والعالميين الذين تركوا بصماتهم على العصر، فكل واحد منهم له رؤيته الخاصة عن عالمنا. وإذ يغيّب الموت هذه النخبة الطيبة من الأدباء والكتّاب، يخلدّهم في أماكن أخرى، هو مكان الإبداع. وآخرون أيضاً كثيرون لا يتسع المكان لرصدهم جميعاً إلا أننا اخترنا أبرز الراحلين الذين أثاروا الجدل الفكري والأدبي وتفاعل القراء مع أعمالهم عربياً وعالمياً.
خيري شلبي الروائي الفذ
في عام 2011 رحل الروائي المصري خيري شلبي، الذي عرف بأعماله الأدبية التي تحلل جوانب المجتمع المصري خاصة الطبقات المهمشة، عبر أعماله: صالح هيصة، ونسف الأدمغة، وزهرة الخشخاش، ووكالة عطية، وصحراء المماليك، وإسطاسية بالإضافة إلى روايات ومجموعات قصصية تركت أثرها على الساحة الأدبية في مصر مثل الأوباش، وبطن البقرة، ونعناع الجناين. حصد شلبي على مدار مشواره الأدبي العديد من الجوائز مثل جائزة الدولة التشجيعية في الآداب (1980-1981)، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في نفس العام، وجائزة أفضل رواية عربية عن رواية "وكالة عطية"، وجائزة الدولة للآداب في 2005، ورشحته مؤسسة "امباسدورز" الكندية للحصول على جائزة نوبل للآداب.
وقد تحولت روايات خيري شلبي إلى عدد من المسرحيات والأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية. توفى الأديب خيري شلبي عن عمر يناهز 73 عاما فجر يوم 9 سبتمبر 2011 ليطوي صفحة من تاريخ الأدب المصري المعاصر.
أحمد بهجت الكاتب الموهوب
صحفي وأديب مصري شهير تخرج في كلية الحقوق جامعة القاهرة ثم عمل بصحف أخبار اليوم، وصباح الخير، والأهرام، ومجلة الإذاعة والتلفزيون. كان له عمود صحفي ينشر بشكل يومي بصحيفة الأهرام المصرية تحت عنوان "صندوق الدنيا" يتناول فيه معظم القضايا السياسية والاجتماعية والدينية بأسلوب مبسط وبليغ.
للكاتب الراحل مؤلفات عديدة أبرزها؛ مذكرات زوج، وأنبياء الله، والطرق إلى الله، وتأملات مسافر، وبحار الحب في الصوفية، ومذكرات صائم، والله في العقيدة الإسلامية، وتأملات في عذوبة الكون بالإضافة إلى إعداده للبرنامج الإذاعي ذائع الصيت "كلمتين وبس"، وقد رحل أحمد بهجت عن عالمنا في 11 ديسمبر 2011 بعد صراع مع المرض.
أنيس منصور القلم العذب
صحفي وفيلسوف وأديب مصري اشتهر بكتاباته الفلسفية، كما كتب في عدة إصدارات صحفية مصرية مثل أخبار اليوم، والهلال، وآخر ساعة، والأهرام وأسس مجلة أكتوبر. كان منصور مقربا من الرئيس المصري الراحل أنور السادات، ومطلعا على العديد من تفاصيل فترة حكم السادات لمصر. لأنيس منصور مؤلفات عديدة أهمها؛ "في صالون العقاد كانت لنا أيام"، و"وجع في قلب إسرائيل"، و"الخالدون مئة أعظمهم محمد"، و"الوجودية"، "إلا فاطمة". كما تحولت بعض أعماله إلى مسلسلات تلفزيونية مثل "من الذى لا يحب فاطمة؟"، "اتنين.. اتنين"، "غاضبون وغاضبات"، و"هي وغيرها".
حصل أنيس منصور على الدكتوراه الفخرية من جامعة المنصورة، وجائزة الفارس الذهبي من التلفزيون المصري، وجائزة كاتب الأدب العلمي الأول من أكاديمية البحث العلمي، وجائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 1963، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 1981، وجائزة مبارك في الآداب عام 2001. توفى أنيس منصور عن عمر يناهز 87 عاما في 21 أكتوبر 2011 بعد إصابته بالتهاب رئوي. وتميز بكون كتاباته كانت تنبع من صميم المجتمع المصري.
كمال الصليبي باحث موسوعي
لم يكن الصليبي، صاحب كتب "التوراة جاءت من جزيرة العرب"، و"تاريخ (الجزيرة) العربية"، و "منطلق تاريخ لبنان"، و "بيت بمنازل كثيرة" عن تاريخ لبنان أيضا، و"تاريخ سوريا تحت الإسلام"، و "تاريخ الأردن"، و"حروب داود"، و"من كان يسوع"، معلما لي ولكثيرين فحسب، بل كان حكيما. احب التقاليد الاجتماعية وعاش بموجبها، ولكنه كان دوما ثائرا في فكره ومجددا في كتاباته.
أكسبته كتاباته عداوات كثيرة تراوحت بين الحركة الصهيونية ومؤيديها من المؤرخين، إلى كنيسة المشرق المارونية وبعض الحكومات العربية. كان مثقفا بما في الكلمة من معنى، لم يرتزق على باب سلطان ولم يتصرف بشعبوية ولم يطلب شهرة. "التاريخ للتاريخ"، وهذا ما يعني انه كان دوما يكتب ما يعتقده صحيحا من دون مجاملة للقوي أو ملاطفة للضعيف.
كان موسوعيا في معرفته، يتحدث في التاريخ والشعر العربي كما في الطب أو العلوم الأخرى، ويتقن لغات محكية كالانجليزي والعربي والفرنسي والألماني، وقديمة شبه مندثرة كالآرامي والسرياني والعبراني واليوناني القديم. وبالإضافة لكونه من أكثر المؤرخين خبرة في المنطقة، اقترب الصليبي من المنطقة لفترة ما. يعرف الصليبي، البالغ من العمر 82 عاما، الدول العربية جيدا. ويعلم ثقافتها وتاريخها. كما قابل صناع القرار في الماضي والحاضر، بل واستشاره بعضهم في العديد من القضايا. بحكمته البالغة، لدى الصليبي الكثير ليقوله حول التطورات الراهنة في المنطقة.
محمود عبد الوهاب القاص الماهر
من مواليد بغداد 1929، أكمل دراسته فيها، ويعتبر من رواد القصة العراقية القصيرة في العراق مع مهدي عيسى الصقر وعبد الملك نوري وفؤاد التكرلي مارس الكتابة في مجال القصة والرواية والنقد، قرابة ستين عاما، وترأس اتحاد أدباء البصرة لفترات، له عدد من الإصدارات منها (رائحة الشتاء، رغوة السحاب، و ثريا النص، وسيرة بحجم الكف )، تخرج مطلع الخمسينيات من جامعة بغداد، ونال أعلى درجة في دفعته بكلية الآداب، وعين مديرا لإحدى المدارس في مدينة البصرة.
كانت حقبة الستينات، من أحلك السنوات التي جابهها، حيث فصل من وظيفته، وتعرض إلى السجن، إذ اضطر إلى العمل كقاطع تذاكر، ثم مديرا لسينما الكرنك في البصرة. وسافر إلى جامعة عين شمس لدراسة الدكتوراه لكنه لم يكمل الدراسة بسبب الحالة الاقتصادية.عاش محمود.. سنواته أعزب، وان كان يقول: هذا لا يعني هذا أنني أخلو من تجارب مع النساء. نقل القصة العراقية إلى آفاق رحبة في الموضوعات والتقنيات مما توجه كأمهر القصاصين العراقيين والعرب.
فايز محمود المبدع والمثقف
عاش الراحل حياته منسجما مع هاجسه الإبداعي وقلقه، وعلى الرغم مما الم به في سنواته الأخيرة إلا انه كان متواصلا مع الوسط الثقافي، ويساهم في كتاباته باستمرار, كما كان الأديب الراحل نشيطا في الروابط والمنتديات الثقافية وشاهدا على مرحلة مهمة من تاريخ الأمة الأدبي والثقافي رغم الظروف الصحية والحياتية التي ألمت به في السنوات الأخيرة إلا انه كان مواظبا على التواصل مع الجسم الثقافي والمبدعين الأردنيين.
على أهمية ما قدمه الراحل فايز محمود من أبحاث للوجود والحرية والضرورة من عوالم قصصية قاربها من الزاوية الوجودية إلا انه لم يأخذ ما يستحقه من اهتمام نقدي ومعرفي سواء على الصعيد المحلي أو العربي.
ولد الراحل في المنشية/ المفرق عام 1941، حصل على شهادة الثاني الثانوي العملي من مدرسة المفرق الثانوية عام، عمل في العديد من الصحف منها المنار، وفلسطين، والحوادث، وعدد من الصحف الكويتية، كما تعاون مع صحيفة الأخبار الأردنية خلال عامي 1977- 1979، ومندوباً لجريدة الرأي في الإمارات، ومندوبا لصحيفة صوت الشعب في محافظة المفرق، ومحرراً في مجلة المواقف الأردنية، ومستشاراً ثقافياً لدار الفدين للنشر وصحيفة المحرر، وترأس تحرير مجلة صوت الجيل وعضو هيئة تحرير لمجلة أفكار وعضو لجنة التخطيط والتنسيق في وزارة الثقافة.
عمل موظفاً في قسم الإعلام والعلاقات العامة بأمانة العاصمة، وعمل موظفاً في وزارة الثقافة وشغل منصب مستشار فيها في عهود سابقة وموظفا في وزارة الإعلام، انتدب من وزراء الثقافة للعمل في إذاعة عمان، مستشاراً ثقافياً في دار فيلادفيا للنشر، وخلال الأعوام 1974-1976 عمل معلقاً إذاعياً، عمل مستشاراً ثقافياً في جريدة الفجر في أبو ظبي خلال عامي 1980- 1981، ومحرراً في مجلة الأزمنة العربية في الشارقة، ، وشغل منصب مديراً لتحرير مجلة أفكار،.
له العديد من المؤلفات منها: الحقيقة (بحث في الوجود)، «العبور بدون جدوى», «تيسير سبول (العربي الغريب)», «ثلاثة نقوش محجوبة/ في جزأين»، «قابيل»، «صدى المنى»، «نزف مكابر»، «الأردن آفاق وطنية وقومية»، «شروق -نصوص الخفاء».
أبرز الراحلين العالميين
فاكلاف هافل السياسي والمبدع
غيّب الموت عن 75 عاماً، الرئيس التشيكي السابق فاكلاف هافل، بعد أشهر طويلة من الصراع مع سرطان الرئة، الذي عانى منه بسبب مضاعفات إصابة صدرية، لم يُسمح له بالتداوي منها، خلال سنوات سجنه في الفترة السوفياتية (1977 ـ 1989).
تولى هافل الحكم، إثر «ثورة الحرير» في تشيكوسوفاكيا سابقاً، سنة 1989. ثم تولى رئاسة جمهورية التشيك، بعد استفتاء الانقسام السلمي عن سلوفاكيا، سنة 1992. وفي عام 2003، اعتزل السلطة في نهاية ولايته الرئاسية الثانية، ليعود إلى حبه الأول: التأليف المسرحي، حيث ألّف عام 2007 مسرحيته «بصراحة ... كتاب ما بعد السلطة»، التي تناول فيها تجربة التخلي عن الحكم سلمياً.
أرنستو ساباتو الكاتب الثائر
ولد روخاس في 24 يونيو 1911 في مقاطعة بيونس ايريس من أب من أصل إيطالي وأم من أصل إيطالي-ألباني، ويعتبر الكاتب الأرجنتيني الأهم الذي كان لا يزال على قيد الحياة. ومن كتبه «النفق» (1948) و"أبطال وقبور" (1961) و «ملاك الظلمات» (1974). وحاز العام 1984 جائزة ثيرفنتيس أعرق الجوائز الأدبية باللغة الإسبانية. وفي السنة ذاتها ترأس اللجنة الوطنية للمفقودين التي نشرت أعمالها حول جرائم الديكتاتورية (1976-1983) في كتاب «نونكا ماس» (إبدا بعد الآن). وشكل هذا الكتاب أساساً لهيئة الادعاء خلال المحاكمة التاريخية لأفراد الحكم العسكري في 1985 التي لقبت بـ «نورمبرج الأرجنتين».
حيث قتل نحو 300 ألف معارض أو اعتبروا في عداد المفقودين في ظل الحكم الديكتاتوري على ما تفيد منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان. وقد فضح في أعماله الأدبية الدكتاتوريات والقمع بكل أشكاله. وحاز ساباتو شهادة دكتوراه في الفيزياء، وتابع دروساً في الفلسفة في جامعة لابلاتا العامة على بعد 60 كيلومتراً جنوب بوينوس ايريس، إلا أنه تخلى العام 1945 عن العلوم ليكرس وقته للأدب ومن بعدها للرسم الذي شكل شغفه الرئيسي. في العام 1979 قلدته فرنسا وسام الشرف وقد حصل كتابه «ملاك الظلمات» في هذا البلد على جائزة أفضل رواية أجنبية قبل ثلاث سنوات على ذلك.
خورخي سيمبرون المرجع الشامل
توفي الكاتب ووزير الثقافة الاسباني السابق خورخي سيمبرون المقاوم في الحرب العالمية الثانية الذي احتجز في معتقل نازي والمعارض المناهض لفرانكو في باريس عن 87 عاما، هو الذي وضع غالبية أعماله بالفرنسية. سيمبورن كانا شاهدا على كبرى تمزقات القرن العشرين السياسية وقد استمد منها أعمالا ملفتة في الأدب والسينما. وقد رحل خورخي سيمبرون ب"هدوء تام" في منزله الباريسي على ما افاد حفيده توماس لاندمان. وقد كان وزيرا للثقافة بين عامي 1988 و1991 في حكومة الاشتراكي فيليبي غونزاليس. وقد انتقل خورخي سيمبرون للعيش في المنفى في فرنسا مع عائلته مع بدء الحرب الاهلية الاسبانية (1936-1939).
كان مثالاً رائعا للمفكر الملتزم في خدمة المثل الاوروبية. ناضل ضد "فظائع فرانكو".
كريستوفر هيتشنز الناقد الذكي
توفي الكاتب الصحفي والناقد الأدبي البريطاني الولادة كريستوفر هيتشنز، عن 62 عاما في مستشفى بتكساس إثر إصابته بمرض الالتهاب الرئوي ومضاعفات سرطان المري الذي كان يعاني منه. ولد هيتشينز في مدينة بورتزماوس البريطانية وتخرج في جامعة أكسفورد في 1970. بدأ حياته العملية كصحفي في بريطانيا في السبعينات وانتقل في وقت لاحق إلى نيويورك، وأصبح محررا مشاركا في مجلة فانيتي فير عام 1992. اكتشف كريستوفر إصابته بمرض السرطان في يونيو 2010، وكتب حول تدهور صحته في عموده بمجلة فانيتي فير.
محمد بن حاضر أبرز الراحلين محلياً
من أبرز الراحلين في 2011 الشاعر والأديب محمد بن حاضر (63) عاماً والذي يعد واحدا من الوجوه الثقافية البارزة في دبي بصفة خاصة والإمارات بصفة عامة، ساهم في تأصيل وحضور قصيدة الفصحى متأثرا بالشعراء العرب امثال عنترة والمتنبي وشعراء المهجر والرابطة الاندلسية والمنفلوطي وحافظ ابراهيم وغيرهم، وكان مجلس الراحل في منزله عبارة عن صالون أدبي كثير ما تدار فيه النقاشات والحوارات الثقافية والادبية، واسهم الراحل في دعم الحراك الثقافي من خلال العديد من القنوات، فقد ساهم في تأسيس ندوة الثقافة والعلوم بدبي مع الأديب محمد المر، وكان حاضرا في المشهد الاعلامي من خلال تواصله مع محبي شعره عبر النشر المستمر.
محمد خليفة بن حاضر مواليد دبي عام 1948عمل في بداية حياته في سفارة الإمارات في بيروت ثم نقل قنصلا عاما في كراتشي وبعدها ترك العمل الدبلوماسي واتجه الى العمل التجاري الخاص، ثم عين عضوا في المجلس الوطني الاتحادي ممثلا لامارة دبي لمدة دورة واحدة. عضو مؤسس ونائب رئيس مجلس ادارة ندوة الثقافة والعلوم لاكثر من دورة، عضو هيئة تحرير مجلة المنتدى الثقافية التي تصدر من دبي.
لم يصدر له أي ديوان، لكن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات نشر له قصيدة ضمن مختارات شعرية لمجموعة من شعراء الإمارات. ونشر الكثير من القصائد الفصحى والنبطية في مختلف الصحف والمجلات، كما أقام العديد من الأمسيات الشعرية، وكان الراحل من الاصوات الشعرية التي اهتمت بقضايا الامة فبرزت فلسطين واحوال العرب في سرائهم وضرائهم في العديد من قصائده.
كما واكب عمليات التنمية والتحديث في الدولة بقصائده، والتصق بهموم وطنه اليومية، كتب وتغزلت اشعاره بدبي التي تنفس هواءها، فكانت دبي في اشعاره لؤلؤة ودرة ثمينة وحسناء يرق الشعر لها، احبها بن حاضر واعتبرها معشوقته الاولى، لهذا تمتد دبي بربوعها على مساحات من قصائد الراحل، ويضاف الى هذا كله، انه شاعر رومانسي، تحدث عن شعره العديد من النقاد والمتابعين.

