بعد مرور قرابة مئتي عام على رحيلها، لا تزال الروائية الإنجليزية جين أوستن تستقطب اهتمام شريحة واسعة من القراء على مستوى العالم، ولا تزال مؤلفاتها تجد لها سبيلاً نحو أفئدة الشباب الناشئين، رغم الفجوة الزمنية التي تفصل بين أول عمل نشر لها، وهو رواية "العقل والعاطفة" التي نشرت عام 1811، وبين الوقت الحاضر. وقد تحدثت صحيفة "أوبزرفر" البريطانية، في تقرير نشرته أخيراً، عن الانعطافات التي مرت بها شعبية هذه الأديبة على امتداد القرنين الماضيين، فأشارت إلى أن أوستن تحظى اليوم بشهرة عالمية.
حيث تنتشر الجمعيات التي تعنى بأعمالها في كل من أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا والبرازيل والأرجنتين، وقد تم نقل العديد من مؤلفاتها إلى المسرح والشاشة الفضية، وتعد روايتها "الكبرياء والتحامل"، إحدى الروايات المفضلة على مستوى بريطانيا حيث تحتل المركز الثاني بعد رواية "سيد الخواتم"، وفقاً لاستطلاع أجرته "بي بي سي".
ثروة فنية
وقد يظن القراء ورواد السينما المراهقون أن أوستن طالما كانت محبوبة. ولكن على الرغم من أنها تمكنت من جمع بعض المال خلال حياتها، فإن شاهد ضريحها لا يذكر رواياتها. وبحلول عشرينات القرن الثامن عشر، وبعد خروج كتبها من الطباعة وبيعها بثمن زهيد، بدا الأمر وكأن نجاح أوستن القصير مات معها. فقد وجدها الفيكتوريون عديمة الإحساس ومحدودة التفكير. وبحلول فترة السبعينات، بدأت ثروة أوستن الفنية بالازدهار مجدداً. حيث قام قريبها جيمس إدوارد أوستن-لي بتدوين سيرتها الذاتية، وعمدت دار "ماكميلان" للنشر إلى إضافة رسوم جميلة إلى رواياتها.
ولكنه كان ازدهاراً باهظ الثمن. فقد تم الترويج لأوستن بصفتها العمة جين، اللطيفة والدافئة والمهذبة والهاوية والطيبة، التي تعيش في كوخ مثالي بهامبشير. ووصف أنتوني ترولوب روايات أوستن قائلاً: "كانت رواياتها تزخر بالوعظ الممتاز، وخالية من أي كلمة أو فكرة فاسدة أخلاقياً. ومن خلال جميع أعمالها، وهي ليست كثيرة، يتم تلقين دروس عذبة عن الفضائل المنزلية".
عميدة الكوميديا
لم يتم تمجيد أوستن لاستخدامها عنصري النقد الاجتماعي اللاذع و"الكراهية المنضبطة"، على حد تعبير الناقد الأدبي والنفساني دينيس هاردينغ، حتى القرن العشرين. وبحلول فترة السبعينات من ذلك القرن، كانت أوستن قد برزت باعتبارها البطلة التخريبية للدراسات الأدبية النسائية. وتعد أوستن من الكتاب النادرين الذين استمتعوا بتقديم أعمال رفيعة الثقافة ومتوسطة الثقافة أيضاً وأخرى تخاطب عامة الناس. وأخيراً، توجت أوستن عميدة للكوميديا الرومانسية، إذ تمت إعادة تقديم رواياتها الست أنها روايات نسوية فاتنة.
وقال ديدري لينش، وهو أستاذ في اللغة الإنجليزية بجامعة تورنتو: "الأمر الغريب أنه قبل 100 عام، كانت أعمال أوستن تقرأ غالباً من قبل الرجال. والآن أصبحت تلك الأعمال خاصة بالنساء بسبب طريقة ترويج الأفلام التي اقتبست عنها".
أم الروايات
لقد تم الاحتفاء بجين أوستن بطرق عدة منذ عام 1811، فقد كانت العمة جين اللطيفة في كوخها المليء بالزهور، ثم أصبحت الناقدة التهكمية، ومن ثم المتمردة النسوية، ومن ثم أم الروايات، وأخيراً ملكة الكوميديا الرومانسية. ولعل سبب تكيفها هو تحفظها. إذ تترك أوستن مجالاً لذكاء القارئ وأوهامه، وهو ما يسمح لكل جيل جديد بأن يرى نفسه في أعمالها.
