هو الحزن يتملّك المهتمّين به، فقد جاء دور المسرح "الختيار"، لتندثر معالمه في غياهب النسيان وينهار فجأة وكأنه لم يكن "مسرح بيروت" هو فضاء ثقافي يلفظ أنفاسه الأخيرة، إذ أجبِر على الإستسلام لـ"جرف" التحوّلات ولمنطق السوق وغلبة الإستثمار وجشع الإستهلاك والربح السريعين، ليقفل بوّابته الأخيرة بلا رحمة ويودّع اليوم محلّة عين المريسة في بيروت وذكريات عزّه، من دون أي بارقة أمل بالعودة، ومن دون انتظار أي بديل.
ومنذ افتتاحه حتى الآن، أقفِل هذا المسرح مرات عدّة، لكنه صمد، وإن إستحال في السنوات الأخيرة أشبه بصفة "الختيَرة" التي لازمته.. لكن هذه المرة سيكون الوضع مختلفاً عن السابق، فقرار الإقفال جذري، ولا أحد يلمّ بتفاصيله كاملة، وجلّ ما بات معروفاً أنّ الإقفال سيتمّ اليوم الأربعاء، وأن التسليم سيتمّ في بداية شهر يناير المقبل.. وبعدها لن يكون في هذا المكان ما يُدعى بـ"مسرح بيروت".
وكان هذا المسرح، قبل حين، قد عاش صخب المسرح اللبناني مع انطلاقته القوية قبل أن يصل دركات الإنهيار ويعيش حال احتضار منذ بدأ العدّ العكسي للحياة المسرحية في لبنان.. وقد حاول الياس خوري وباسكال فغالي إنقاذه بعدما انطفأت نيران الحرب التي عطّلته، فلم يفلحا، ثم تصدّى روجيه عساف ومعه حنان الحاج ومجموعة "شمس" للمهمة، ومن بعدهم عصام أبو خالد، ولم يفلحوا جميعاً في إعادة الحياة اليه.
وولادة هذا المسرح تعود الى عام 1965، وكان يُدعى حينها "محترف بيروت للمسرح"، وذلك تزامناً مع انطلاقة المسرح بأسمائه المسرحية المؤسِّسة والرائدة، ومع بدء اكتساب بيروت لقبها "عاصمة للثقافة العربية".. يومها، بادر سعيد سنوّ وزوجته الى افتتاح هذا المسرح، واختار أن يعطيه إسم "تياتر دو بيروت" ليبعد عنه شبهة الخفّة التي ارتبطت بمصطلح "مسرح" ذلك الوقت، وسرعان ما صار مختبراً للمسرح اللبناني في الستينيات، ونافذة على التجديد وتجارب العرب في التسعينيات.
عام 1968، كانت مسرحية "مجدلون" (مسرحية سياسية كتب نصّها الكاتب والروائي اللبناني هنري حاماتي، ووضع سياقها المسرحي ونفّذها الفنانان روجيه عساف ونضال الأشقر)، مثلاً، مفصلاً أساسياً في تلك الفترة، لا مفصلاً فنياً وحسب، إنما أيضاً مفصلاً سياسياً. وقد اعتلى خشبة المسرح حينها ممثلون بارزون، أعلنوا حينها ما يشبه الثورة أو ما يدعم الثورة الفلسطينية التي كانت معياراً وطنياً وقومياً في ذلك الزمن. وعندما تدخّل الأمن العام وأوقف العرض، خرج الممثلون بناءً على طلب حاماتي، في تظاهرة حطّت أمام مقهى "هورس شو" في شارع الحمراء، وكان معروفاً كمقهى للمثقفين، حيث تمّ عرض المسرحية في الشارع، وفق ما أشار حاماتي لـ"البيان"، مؤكداً أن هذا المسرح كان "عنواناً لمرحلة غليان ثقافي وسياسي وفني".
وهذا المسرح الذي ستُقفل أبوابه اليوم، يقع على مقربة من البحر، في أحد زواريب محلّة عين المريسة، حيث شهد انطلاقات دُوّنت في سجّله، وكان مخاضاً لأحلام تحقّقت وشاهداً على بداية فنّانين كثر، وعصام بو خالد المشرف على المسرح حالياً هو واحد من هؤلاء. برأيه، إن هذا المسرح يلخّص فكرة خيالية، تاريخياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً. وعلى خشبته مرّت أسماء لامعة شاركت في إغناء تجاربه.
ومحاولات عصام بو خالد، في إيجاد طريقة تحول دون إقفال المسرح، لم تلقَ نجاحاً، إذ "لا قانون يحمي القيمة الثقافية في لبنان، وهذا المنطق السائد أصبح طبيعياً، والأكثرية باتت مسلّمة به جدلاً"، وفق رأيه، فـ"قيمة المسرح معنوية فقط للأشخاص الذين تعرفّوا إليه وعملوا فيه. أمّا الآخرون، فلا تعنيهم إلا الماديات".
