لأي مدى يمكن أن يعكس الكاتب واقعاً مفصلياً في مجتمعه عبر عمله الروائي؟ وهل يمكن أن يكون هذا الواقع المتحول سبباً لانتشار روايته، أو حصوله على جوائز معينة؟ يبدو أن التغييرات الحاصلة في المجتمعات العربية الأخيرة وما أطلق عليه (الربيع العربي) أثرت في الابداع العربي، وخاصة الرواية، من خلال تصريحات المشرفين على بعض الجوائز الأدبية.
كما هو الحال في الاعلان عن القائمة الطويلة للمرشحين بالجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»، حيث صرح رئيس لجنة التحكيم في جائزة بوكر للرواية العربية، والذي لم يكشف عن اسمه «إن الدورة الخامسة للرواية العربية تنعقد في ظل ظروف استثنائية تتمثل بانتفاضات العديد من شعوب العالم العربي ضد أنظمة الاستبداد المتأصلة في أكثر أقطاره منذ عقود مديدة.
ومن دون أن نزعم أن الروايات المرشحة لهذه الدورة تنبأت على نحو مباشر بالربيع العربي، فإن العديد منها قد رسم الأجواء الخانقة التي كانت سائدة قبل انفجار تلك الانتفاضات، وأدخلت قارئها إلى العالم التحتي لأجهزة الشرطة السرية، وجسدت الظمأ إلى الحرية، لدى العديد من أبطالها الرئيسيين أو الثانويين، منددة في الوقت نفسه بانتهازية المتعاملين منهم مع تلك الأجهزة».
هل يمكن لهذا التصريح أن يكون منصفاً لحالة الإبداع الروائي؟ وهل يمكن لكاتب أن يتحدث عن واقع راهن من دون أن يعيش حالة من التأمل والترقب؟ هذه الأسئلة وغيرها طرحتها «البيان» على عدد من الروائيين والنقاد:
الإبداع الروائي ضد المناسبات
لدينا مشكلة تقييم في كل جوائزنا العربية، هذا ما قاله الأديب الإماراتي علي أبوالريش في بداية حديثه، وأضاف: «في جوائزنا العربية، وليس في «البوكر» فقط، تغلب السياسة على فنيات العمل الأدبي، إذ إن هناك روايات لا تستحق أن تنتمي إلى مزاج وتوجهات معينة أخذت حقها في التقييم، وهذا لا يضيف شيئاً للإبداع، بل يسيء إليه ويقلل منه».
وذهب الروائي الإماراتي للتأكيد: «هذا زمن تمزيق الأشياء وإخلائها من مضمونها، فما يعني جوائزنا إن كنا نعيش ربيعاً أو خريفاً عربياً، فهي لا زالت تجربة لم تتبين نتائجها، فنحن نحتاج إلى اختبار الربيع العربي، أو الفكرة نفسها لدى المبدع، وإلا سيتحول الروائي إلى ما يشبه شعراء المناسبات».
وأضاف: «تحتاج الرواية إلى قدرات فنية وتأمل ورؤية، لتوضع في قالب الزمان والمكان، لا أن تصبح برلماناً مفتوحاً في حال حدوث أية مناسبة، يجب عليه أن يكتب عنها، فالمبدع يختلف عن الأخصائي الاجتماعي، ولا يتماشى مع ظاهرة ما، لأن ميزته هي الانتظار والتريث، وقراءة الواقع، مع التنويه بأن موقفه لا يجب أن يكون مع أو ضد، في إطار أدلجة الإبداع لأنه مهدد بالضياع إذا وضع في إطار إيديولوجيات معينة».
صحافي بمرتبة مؤلف
أشار الأديب السعودي عبدالله زايد إلى أن تعمد المؤلف وضع أنساقه القصصية وفق أحداث محددة، وتحوله لراصد ومتابع لهذه الأحداث، ومن ثم قولبتها في سياق روائي، مهمة محفوفة بالمخاطر، قد تجعله بعيداً عن الروح الروائية، ليصبح مؤرخاً أو محللاً أو راصداً، وإذا شئت صحافياً بمرتبة مؤلف. ويرى أن المؤلف يبقى مربوطا بأحداث محددة معروفة.
كيف يبدع ويتحرك بقصة مسيجة بحدث متعارف عليه، وعلى نتائجه؟ ويضيف: «قد تكون الرواية مبتكرة وسابقة لزمنها، وهناك روايات من الأدب العالمي حملت في طياتها نبوءات مستقبلية تمكن خلالها مؤلفها أن يقرأ وقائع تحولات مجتمعه بشكل صحيح ثم بعد مضي سنوات عديدة كانت الأحداث على أرض الواقع مطابقة تماماً، وهذا النوع هو الذي يستحق التكريم والإشادة والتوقف عنده لأن طبيعة العمل الروائي هي التفاعل مع الحراك المجتمعي.
حيث يقيم المؤلف هيكل قصته على حدث موجود، لكنه لا يتبناه، ولا يقف مع تيار ضد الآخر، ولا أعلم كيف يتحدث ويكتب عن وقائع لازالت في طور النمو والحراك، لأن هذا من شأنه أن يدخله في شرك التاريخ، وهي معضلة حقيقية لدى جملة من الروائيين العرب. وأعتبر أنني ممن وقع في شراكها في بداية كتابتي في جزئيات من رواية «المنبوذ».
وأوضح: «أظن أن المؤلف العربي يعاني من هذه النقطة تحديداً، بسبب العقلية الماضوية في الذهنية العربية، لأننا أمة تجتر الماضي، وتبالغ في تفاصيله أحياناً لتغذية واقعنا المتردي، في وقت يجب على الروائي أن يبتعد عن هذه الحالة، ويقترب من الإبداع والتحليق».
اعتبارات غير إبداعية
ويرى الأديب الفلسطيني أنور الخطيب أن الأنظمة الشمولية تحاول إخضاع الإبداع لغاياتها وأفكارها، وهذا ما حدا بكثير من المبدعين إلى الفرار من بلادهم كي يتحرروا من وطأة الرأي الواحد. وحين يتجه الحراك السياسي نحو الحرية والديمقراطية، يجب أن يأخذ معه الإبداع إلى فضاءاته، ويفك القيد عن أدواته وشروطه، فلا يعود خادماً إلا للجمال والإنسانية والفكر، لكن ما يجري مختلف عن ذلك.
فالقيّمون على حياتنا الثقافية في الوطن العربي، يصرّون على أن يبقى الإبداع رهيناً لفكرة واحدة، وأن يبقى مخطوفاً من قبل من يعتلي السلطة، ديمقراطياً أو شمولياً أو دكتاتورياً، وهو أمر يعود إلى انتهازية البعض، ووصولية وتسلق البعض الآخر».
وبالنسبة إلى الجوائز، يرى الخطيب: أنها تشبه لحد بعيد تزوير الانتخابات، ولا أدري إن كنا بحاجة لمراقبين دوليين أيضا في لجان التحكيم، وإلا ما علاقة الشارع العربي والحراك الملتبس والغامض حتى الآن، بحيثيات الفوز في جائزة يطلق عليها (ظلماً) جائزة عالمية، فربطها بالشارع يجعلها جائزة (شوارعية)، وينزع عنها صفة الإبداع، لتتحول إلى رجل أميّ يهتف دون أن يدرك ما يقول، وإلى أين يذهب، وما وسيلة الوصول إلى مبتغاه».
وأضاف: «ما تفضل به رئيس لجنة تحكيم البوكر العربية في تصريحه، معاكس كلياً لطبيعة الإبداع وتقنياته وأساليبه ولغاته، فقد أضر بالشارع العربي من حيث لا يدري، وشوّه الجائزة تشويها من الصعب إزالته بعملية تجميل ثانية.
وأضاف: «لا أدري إن كانت الجائزة أيضا قد تعرضت للخطف من قبل المتطرفين وأحزاب المعارضة الضائعين، لا سيّما أولئك الذين يستجدون عودة الاستعمار من جديد، وجيّروها لتخدم اليافطات في الوقت الذي يرفض فيه الابداع الوصاية السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، ويرفض التخلف والشللية.
يحارب الإبداع الحقيقي، ودون أن يسيّره هؤلاء، الظلم والديكتاتورية والاستبداد والتفرقة العنصرية وتأليه الأفراد والممارسات الأمنية البشعة، وهو في كل ذلك يجنح نحو الجمال والإنسانية، فلماذا يريدون تغليب الصوت الواحد، على كل الأصوات في الوقت الذي يحرص المبدع على تعدد الأصوات؟!».
واختتم حديثه بالقول: «لمسنا هذا التعسف في جوائز كثيرة، خضعت لاعتبارات غير أدبية وغير إبداعية وغير أخلاقية، في الوقت الذي يجب أن يكون للجان التحكيم استقلالية كاستقلال القضاء، وسيبقى هذا التعسف طالما بقيت العقلية التابعة تتحكم بالإبداع».
نقد
معن الطائي: أهمية النظرة النقدية
وعن الأساسيات التي قد تؤهل الرواية للحصول على جائزة ما، بدأ الناقد العراقي معن الطائي حديثه موضحاً: تأتي الجوائز دليلاً على قيمة إبداعية، من حيث التراكيب السردية والقدرة على الإبداع، إلى جانب الأبعاد الأخرى الفنية والمعرفية والسردية بحكم أن الرواية فناً شاملاً.
أما تركيز الروايات المرشحة للبوكر على جانب واحد، وتصريح رئيس لجنة التحكيم عن تقييم الروايات في قدرتها على التنبؤ، أو تجسيد الواقع، ليس هدفاً مطلوباً من الرواية لأن مهارات الروائي تعتمد على تأويل الواقع وتحويله إلى مستوى رمزي».
ومن هنا يرى الطائي: «إن المنطلق العام للجنة التحكيم جاء سياسياً بحتاً. وتساءل: لما هذا التوجه لهكذا أحداث؟ فقد يتناول الروائي هذه الأحداث بحرق المراحل مثل الأخبار العاجلة، التي تختفي لتحل محلها صورة أخرى، والرواية لا تتعاطى مع الأمور بهذه السرعة، إذ من المطلوب وقفة تأملية.
واستشهد الطائي بحدثين سياسيين من التاريخ، الأول كما قال: «بعد نكسة يونيو في العام 1967 التي لم تظهر في الأدب إلا في العام 1974 في روايات إدوارد الخراط، جمال الغيطاني، يوسف القعيد وغيرهما. وذلك بعد فترة طويلة من التأمل ومتابعة الأبعاد المختلفة، وأهمها البعد الإنساني.
أما المثال الآخر، فهو العراق وبعد سقوط الملكية في العام 1958 لم يتناول حينها الكتاب تلك المرحلة، إذ حدثت فجوة وانقطاع في تناول الحدث السياسي إلى العام 1964 بدأت الكتابات التي تظهر الفرق فعلاً ما بين الروائي والسياسي، فالروائي معني بأثر الواقع على روح الإنسانية على التغيرات، وهذا يحتاج لوقت كي يظهر، والرواية تحتاج إلى بناء سردي يخلق شخصيات ويعطي أبعاداً تحتاج إلى تأنٍ وانتظار.
ويختتم الطائي فكرته بالقول: «تخوفي أن يتحول الروائي إلى إعلامي، من خلال الارتجال والاستسهال، مما يضر بالعمل الابداعي ويخل بشروطه، وقد تتحول الرواية إلى مجرد نقل خبر، والضحية هو الإبداع الفني، ولهذا نخشى أن يسحب الربيع العربي الخريف الإبداعي».
ايديولوجيا
سعيد البادي: ضد تسيس الإبداع
ويتفق الروائي الإماراتي سعيد البادي مع الرأي السابق بقوله: «أنا ضد تسييس الأدب، خاصة وأن السياسة تؤثر في مجمل أمور حياتنا، فلماذا نخلط الأوراق، والأدب في حد ذاته مهرب من الواقع، فلما نجعل هذا الواقع الأليم يطاردنا في الرواية؟».
وأضاف: «عندما قرأت عن القائمة الطويلة، والتصريح المصاحب لها، أدركت أنه يجب علينا أن نترك مساحة، نبتعد فيها عن همومنا السياسية بالأدب، ومن الممكن هنا الخروج من الواقع بعالم خيالي».
وكشف البادي عن أسفه قائلا: «للأحداث تأثير مباشر في الأشياء، ومن هنا قد يستهدف الروائيون قراء معينين، ويبدو أن هذه الأعمال متأثرة تأثيراً مباشراً بقضايا لها جذور في واقعنا المعاش، وأتصور أن هناك أموراً أهم من تلك الآنية، وتأتي أكثر عمقاً وديمومة، وليست مجرد حادثة نتأثر بها، مع العلم أن الأهم في الكتابة الروائية هي الأمور الفنية».
ورأى البادي: «أن، تقييم العمل يجب أن يكون بكل حيادية بناء على التقنيات، وبذلك تمنح الأعمال فرصة أكثر من حصرها بكتاب من بلدان معينة، ويمنح فرصاً أكبر لدعم الإبداع العربي الذي لا يجب أن يحصر بأشخاص معينين».
