بصدور ديوان العقيلي (غاية المرام لأهل الغرام) لمبارك بن محمد العقيلي (1882-1954)، الذي جمعه وحققه الباحث بلال البدور وراجعه الدكتور حسام سعيد النعيمي، تكون المكتبة العربية قد ضمت إلى جنباتها كنزاً معرفياً وأدبياً إنسانياً لا تقتصر أهميته على البعد الأدبي لتجربة هذا الشاعر الإماراتي الاحسائي المولد فحسب، بل تتعداها لتصل بقارئ الكتاب إلى متعة التجوال والاطلاع على مفردات جغرافيا وتاريخ منطقة الخليج العربي على امتداد كثبانها الصفراء الدافئة، من خلال عين رجل امتهن الشعر وامتطى صهوة الحكمة وسعة المعرفة متنقلاً بين حواضرها عارفاً خباياها عاشقاً أرضها وناسها إلى أن استقر به المقام في دبي.

 

حكاية أمة

قصائد العقيلي التي يحتضنها ديوانه الجديد لا تحكي قصة شاعر فذ خبر القوافي واحترف صناعة الصور الشعرية فحسب، بل إنها تروي حكاية أمة انصهرت في بوتقتها حياة الشاعر، فجاءت تجربته الشعرية معبرة عن حال تلك الأمة بأفراحها وأتراحها، عاكسة لهمومها من محيطها إلى خليجها.

حيث يتنادى صوت الشاعر لكل ما يلم بها من خطوب، وفي مقدمتها ما تعرض له الشعب الفلسطيني من اقتلاع وتهجير على يد العصابات الصهيونية المدعومة من قوى الاستعمار، حيث يؤكد بلال البدور في كتابه الجديد أن انشغال العقيلي بالشأن العام كان قد بدأ منذ وقت مبكر من حياته، عندما كان لا يزال يعيش مسقط رأسه الاحساء عندما سجنه الأتراك بسبب مواقفه السياسية المناهضة لهم، وها هو الشاعر يستنهض الهمم لنجدة فلسطين الجريحة. ويقول في قصيدة بعنوان (فلسطين تستغيث):

وارحمتاه ويا غوثاه يا عربا

إن التصهين في الأوطان كالنار

يا آل عدنان هبوا من سباتكم

دمي يطل ويأوي البوم أوكاري

 

مشاعر قومية

كما يعبر في قصيدة أخرى بعنوان (وعد بلفور) عن مشاعر الأسى حيال احتلال وطن ويدعو لافتدائه وبذل الغالي في سبيله ليقول:

على شرف الأوطان فليسفك الدم

ففي مثل ذا شرعا أبيح المحرم

لأوطاننا من الفدا بنفوسنا

إذا لم يكن بد وهذا محتم

خلقنا رجالا للمعاني نصونها

ولسنا نبالي أن نصاب وتسلم

رجال الإمارات

ويبين الكتاب الجديد أن الشاعر العقيلي كان كثير التنقل والترحال بين بلدان الخليج والعراق، حتى انه كان يلقب تارة بالبحريني وأخرى بالعماني، بينما كانت تربطه علاقة حميمة بشيوخ الأقوام والقبائل التي كان يطيب له العيش في مضاربهم، وقد امتدح في قصائده كلاً من: الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة حاكم البحرين، والشيخ زايد بن خليفة آل نهيان، والشيخ مكتوم بن حشر، والشيخ بطي بن سهيل، والسلطان فيصل بن تركي، سلطان عمان، كما مدح الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ووالدته الشيخة حصة بنت المر، والشيخ مانع بن راشد، وغيرهم من حكام ورجالات الإمارات.

 

إرث شعري

الإرث الشعري الذي خلفه العقيلي يتسم بالتنوع، حيث لم يترك ميداناً من ميادين الحياة إلا طرقه، بدءاً بالوطن والانتماء والهوية ومروراً بالغزل والمديح وليس انتهاء بانتقاد بعض الظواهر المجتمعية السلبية مثل التحدث باللغة الانجليزية في بلا العرب، إلا أنه لدبي وشيوخها مكانة خاصة في وجدان العقيلي، فكان يخصها في حديثه أينما حل وكتب فيها العديد من القصائد من بينها قصيدة بعنوان (دبي) يقول فيها:

لك الفدا كل ملاق وخداع

يامن يجيب باذن الله للداعي

لك الفدا كل نفعي لمأربه

يسعى وليس لنفع الناس بالساعي

لك الفدا كل من يطوي على دخل

من كل فدم خبيث القصد طماع

إلى أن يقول:

لم يبن مكتوم بنيانا على جرف

أهرام مصر ويكفي النبه إلماعي

 

ديوان العقيلي (غاية المرام لأهل الغرام)، الذي يقع في 244 صفحة من القطع المتوسط، ليس الأول من نوعه الذي يضعه الباحث بلال البدور، فقد كان قد أصدر كتاباً آخر للشاعر نفسه تحت عنوان (كفاية الغريم عن الندامة والنديم) ضم، كما يؤكد البدور في مقدمة كتابه الجديد، الأشعار النبطية للشاعر مبارك العقيلي، وكعادته، يحرص البدور في كتابه الجديد على شكر كل من ساهم في ظهور هذا المنتج المعرفي الجديد وفي مقدمتهم الدكتور حسام سعيد النعيمي على مراجعة مادة الكتاب والمرحوم حمد بن خليفة بو شهاب، والأديب عبد الغفار حسين والأديب يوسف الخاجة وكلا الأخوين خالد ومنصور، ابنا زيد بن سعود آل مانه، والمرحوم ناصر بن حمد بن عبد الرحمن آل زرعه، الذي أصدر نسخة من الديوان المخطوط.