حقق المسرح الإماراتي نجاحات عدة على مستوى مشاركاته العربية والخليجية، من خلال حضوره الفني اللائق عبر اعمال اهتم بها نخبة من النقاد والخبراء والباحثين. وهنا لا بد من طرح بعض الأسئلة: هل هناك وعي بأهمية خروج الإبداع الإماراتي الى خشبات المسرح العالمية؟ هل تكفي تلك المشاركات اليتيمة؟ وكيف يحاور المنجز المسرحي الإماراتي الآخر؟ وكيف تتواصل ثقافتنا مع ثقافة الآخرين؟ تلك هي الاسئلة الحائرة خلف كواليس المسرح الإماراتي التي مازالت تنتظر الإجابة؟
نوافذ عالمية
حصلت على جوائز عدة في مسابقات المهرجانات المحكمة، وانتشار صيت اسماء مسرحيات عربية لامعة، إضافة إلى نصوص مسرحية إماراتية، نفذتها كعروض فرق مسرحية عربية وخليجية، ورغم كثرتها وتوجهها الدائم لاحتضان التجارب المسرحية العربية، لا تزال خارج دائرة الضوء، وتشكل حلما وهاجسا لدى المسرحيين. الذين يتمنون لتجربتهم ان تخرج الى الآخر، ويتمنون قياسها بالتجارب الاجنبية، ويتمنون التعريف بها واشهارها على مستوى مهرجانات المسرح العالمية. خصوصا وانهم لمسوا نجاحات مشاركات قليلة، حالفها الحظ، وتواجدت في مهرجانات عالمية، مثل مهرجان افنيون المسرحي في فرنسا، ومهرجان سبيو الدولي في رومانيا، ومهرجان البحر الأبيض المتوسط في إيطاليا. وكانت تلك فرصة خيالية امام انعدام النوافذ العالمية امام تجربة المسرح المحلي. ومنهم من خاض بضع تجارب، تتمتع بفائدة ذات حدين: المشاركة والاحتكاك، والتعريف بالمستوى الفني الذي وصل إليه المسرح الإماراتي.
معايير خارجية
أشار بلال البدور، الوكيل المساعد لشؤون الثقافة والفنون بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، الى ان مشاركات المسرح في المهرجانات الاجنبية يتطلب نوعا من العروض التي تتجاوز اللغة، وتستطيع ان تحقق التواصل البصري والحركي، والامر الآخر كما يراه البدور هو نوعية العمل المسرحي المحلي وقوة سويته الفنية، «فحينما نشارك في مهرجات اجنبية وبجانب عروض مسرحية عالية التقانة وتتكئ على خبرات فنية عالية، لابد لنا وان نظهر بالمستوى الفني نفسه، في ظل قلة التجارب المميزة في المسرح المحلي الذي تتبلور خطواته الأولى، إذا ما قورن بالمسرح الاوروبي». وعن التواجد في الملتقيات والمهرجانات الاجنبية بهدف التعريف بالثقافة المحلية واكتساب الخبرات قال البدور: «لابد من هذا التواجد، ولابد من اشهار الثقافة المحلية على مستوى العالم، ولهذا فنحن في الوزارة، نبادر إلى مشاركات سنوية في العديد من المحافل الاجنبية، على سبيل المثال، الاسابيع الثقافية والفنية الاماراتية التي نشارك بها بفعالياتنا التي تشكل ملامح الهوية وملامح الثقافة المحلية، لكن اغلبها فنون بصرية وأدائية، قادرة على التواصل مع المتلقي الاجنبي. ولا يرى البدور مانعاً من تواجد المسرح في تلك الفعاليات، لكن شريطة أن يتحلى بالجودة والقدرة على التواصل».
المهرجانات المحلية
كثير من الأعمال المسرحية التي حققت نجاحات كبيرة من خلال المهرجانات المحلية، تتقدم للحصول على دعم الوزارة للمشاركة في مهرجانات أجنبية، لكن كثيراً منها ايضاً يتم رفضه من قبل الوزارة، مثلما حصل لمسرحية (الرهان) لمسرح حتا التي حصلت على جوائز مهمة في الدورة السابقة لأيام الشارقة المسرحية. يجيب البدور على هذا التلميح بالقول: «نحن لا نحابي أحداً، ولا نكيل بمكيالين في التعامل مع الفرق المسرحية المحلية، فالعمل المسرحي الجيد هو الذي يفرض نفسه، لكننا ايضاً لنا شروطنا الخاصة في الوزارة، فنحن نهتم كثيرا بالعمل المسرحي الذي يعتمد على مخرجين وممثلين وتقنيين محليين من ابناء الدولة، خصوصا في المشاركات الخارجية، إذ لا يمكن ان نذهب بعمل يمثل الامارات به نسبة كبيرة من غير الاماراتيين، لأن ذلك يعني أننا وبعد مسيرة طويلة من التنمية والتطوير المسرحي لم نتمكن من تأسيس حركة مسرحية محلية وطاقات مسرحية محلية».
عبور الحدود
من جهته يرى المؤلف المسرحي ورئيس جمعية المسرحيين الكاتب اسماعيل عبدالله، ان الحركة المسرحية المحلية استطاعت ومن خلال مسيرتها الفنية ان تحقق قفزات نوعية في مستوى العروض المسرحية، تشهدها مشاركاتنا المسرحية العربية والخليجية، فكثير من العروض المسرحية المحلية المتميزة استطاعت ان تستحوذ على اعجاب نقاد المسرح العرب، وبنت لها صيتا فنيا في المهرجانات، وتمكنت من الانتشار على المستويين العربي والخليجي وآن لها أن تعبر الحدود. ويقول اسماعيل: من المهم جدا ان نبدأ التفكير في خروج مسرحنا المحلي الى العالمية، وفي العالم مهرجانات كثيرة وكبيرة بإمكانها استقبال تجاربنا المسرحية، مثل مهرجان افنيون الفرنسي ومهرجان ادنبرة وغيرها. لقد اكتفينا من المشاركات العربية، ومن المهم ان نعرف بالحركة المسرحية المحلية حول العالم، وهذه مهمة وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع. ويضيف اسماعيل: في ظل دعوات انفتاح الثقافة العربية على الثقافات الاجنبية، وفي اطار حوار الحضارات والاتصال بالآخر، يأتي المسرح كلغة تخاطب فكري وثقافي وفني، لأنه ابداع انساني صرف، قادر على التواصل والتوصيل. وفي هذا الوقت بالذات نحن احوج لمسرحنا ان يذهب بعيدا بخطابه الانساني الى بيئات مختلفة، وبما وصلت اليه الحركة المسرحية المحلية.
استنزاف المهرجانات
قبل سنوات كانت مشاركات المسرح المحلي في المهرجانات العربية فاعلة، من خلال تبني وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في دعمها، لكن في السنوات الثلاث الماضية، لوحظ انحدار مؤشر هذه المشاركات، ففي العام الماضي مثلاً، لم تشارك الدولة في مهرجان عربي واحد، عدا مشاركة مسرحية (السلوقي) في مهرجان المسرح الخليجي بالدوحة، لكن مهرجانات عربية عدة خلت من قوائم المشاركات فيها من اسم الامارات. الدكتور حبيب غلوم، مدير الانشطة بوزارة الثقافة، وقبل ذلك هو مسرحي مهموم بالحراك المسرحي، وسبق له ان تواجد في مشاركات مسرحية عربية واجنبية، يرى من وجهة نظرة ان انخفاض مستوى المشاركات يعود إلى اسباب يراها منطقية، «لابد لنا من ملاحظة عدد المهرجانات التي تقام محليا، ففي هذه الفترة تمر الحركة المسرحية المحلية بنشاط غير مسبوق في اقامة المهرجانات المحلية، وهذا يشكل بحد ذاته استنزافا للمسرحيين والحراك المسرحي.
احتكاك مسرحي
ويضيف غلوم: «في السابق كانت المهرجانات العربية تشجع على المشاركة، لأنها كانت تتحلى بسوية فنية مغرية، لكننا اليوم ننظر من حولنا فنرى واقع هذه المهرجانات يتردى فنيا، فلم تعد المهرجانات العربية كسابق عهدها، فكثير منها صار يعقد من اجل التظاهر الفني فقط، حيث تخلت عن كثير من امورها الفنية، ولم تعد ذات قيمة، وهذا الامر لا يشجع على المشاركة، غير مسألة التخبط في الامور التنظيمية، فحينما يذهب الوفد يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه نتيجة سوء التنظيم. وبالتالي تولدت لدينا قناعات بعدم المشاركة في عدد لا بأس به من المهرجانات، والتي اصبحت في واقع الامر تحصيل حاصل. وفيما يتعلق بالمشاركة في المهرجانات غير العربية يقول غلوم: «من المهم ان تحتك التجربة المسرحية المحلية بالتجارب المسرحية العالمية، وسبق لمسرحيات محلية عدة ان شاركت في مثل هذه الملتقيات، في ايطاليا ورومانيا وفرنسا واسبانيا. لكن ما يعرقل هذه المشاركات، والاستمرار فيها، هو التكاليف الباهظة والمكلفة، فالمهرجانات غير العربية، وضمن نظامها الداخلي لا تتكفل ولا تتحمل جزءاً من المشاركة، كما يحصل هذا عند المشاركة في المهرجانات العربية، فحينما تذهب الى مهرجان في دولة اجنبية، فعليك ان تتحمل كافة التكاليف، وهذا مرهق للموازنة، فقد اكتشفنا انه ليست هناك مساواة في التعامل مع الوفود. وهذه منغصات لا تشجع على المشاركة، أو انها تجعلها صعبة ومرهقة. وعلى صعيد التجربة، فقد تبين ايضاً ان المسرح العربي يقوم على العرض المسرحي الذي يعتمد الكلام المنطوق، وهو مسرح غير حركي، ما يخلق خللاً واضحاً في مسائل التلقي والالتحام بالجمهور.
ويشير غلوم الى تجربة مسرحية (الحب المستحيل) التي انتجت بتعاون مشترك بين الامارات ولبنان وفرنسا، وتمت المشاركة بها في مهرجان افينيون الفرنسي، وتمت ترجمتها صوتياً وكتابياً وحركياً مع المخرج اللبناني عصام ابوخالد.
تجارب ناجحة
كانت للكاتب والمخرج المسرحي ناجي الحاي تجربة العرض في مهرجان افنيون الفرنسي في العام 2003، حينما قدم مسرحية (ما كان لأحمد بنت سليمان)، وقد اعدت هذه من المشاركات المهمة للمسرح المحلي، كون العرض يقدم وجبة فولكلورية ودرامية امتعت الجمهور الفرنسي، وعلى اثرها تلقت الفرقة دعوات للمشاركة في مهرجانات اجنبية، وحينما اعيد أيضا عرض المسرحية في دبي في بيت (الشيخ سعيد) ضمن الاسبوع الثقافي الألماني، تلقت الفرقة دعوة لعرضها في المانيا في قصر فردريش، لكن لم تلق تلك الدعوة أي صدى يذكر من الجهات الداعمة للمسرح في الدولة، وايضا للحاي تجربة ناجحة مع مسرحية (باب البراحة)، التي عرضت في مهرجان الثقافات في طرطوشة بإسبانيا وحضرها جمهور كبير من الاوروبيين وكانت ترافقها ترجمة صوتية فورية ساهمت في ايصال العرض الى الجمهور والتفاعل معه.
صورة مزيفة
يقول الحاي: «من المهم جداً أن يعبر المسرح المحلي الى اوروبا والغرب، والمسرح أبو الفنون، وهو القادر على ايصال الصورة الصحيحة عن ثقافتنا وهويتنا، فالاوروبيون والغربيون مازالوا يرسمون في مخيلتهم صوراً مزيفة وخاطئة عنا، فمازالوا ينظرون إلينا باعتبارنا بدواً لا نعرف من الدنيا والحضارة سوى الجمل وبئر النفط، هذه الصورة النمطية في الذهنية العربية لا تمحوها الا مثل هذه المشاركات». ويضيف الحاي: «تطور أي مجتمع لا ينعكس بالنسبة للآخر إلا في النواحي الثقافية والفنية». ويرد الحاي على امر صعوبة تلقي الاجنبي للعرض المسرحي المحلي، وصعوبة المشاركات في المهرجانات الاجنبية بالقول: هذا كلام مردود عليه، ليست هناك صعوبات، إذا كنا نسعى لهذه المشاركات، واثبتنا بالتجربة ان الاعمال المسرحية المحلية قادرة على التواصل مع الجمهور الاجنبي، بل لمسنا تعطشا لدى الآخر لمعرفتنا ومعرفة ثقافتنا وفنوننا. فرق محلية في مهرجانات عالمية
شاركت فرقة مسرح الشارقة الوطني مؤخراً في مهرجان سيبيو الدولي للمسرح بمسرحية «الحجر الأسود» لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في شهر يونيو 2011 في رومانيا. وقبلها مسرحية (باب البراحة) لفرقة المسرح الاهلي بدبي التي قدمت عروضها في العام 2006 في مهرجان طرطوشة الدولي للتواصل الثقافي، وامام جمهور غفير من الاوروبيين، وصاحب العرض ترجمة فورية، وقبلها عرضت فرقة مسرح دبي للفنون مسرحية (ما كان لأحمد بنت سليمان) للكاتب والمخرج ناجي الحاي في مهرجان افنيون 2003 ورافق العرض أيضاً ترجمة باللغة الفرنسية، وكانت فرقة مسرح دبا الفجيرة قد سبقت تلك المشاركات بعرض مسرحية (العارضة) في مهرجان البحر الابيض المتوسط في ايطاليا في العام 2000. وللمسرح الاماراتي ايضا مشاركة نوعية التقت فيها جهود من الامارات وفرنسا ولبنان، في مسرحية (الحب المستحيل) من اخراج اللبناني عصام بوخالد التي قدمت عرضاً على خشبة مسرح «كارم» في مدينة أفينيون في فرنسا. حيث كان الفنان الإماراتي حبيب غلوم يؤدي دور الرجل الذي يتكلم باللغة العربية، بينما يقوم ممثل آخر بترجمة مقاطع من كلامه إلى الفرنسية.
كانت للمسرح الاماراتي ومضات مهمة، كتبت عنها الصحافة الاجنبية، وسجلت حضورا بارزاً في محافل دولية غير ناطقة باللغة العربية.. كانت تلك المصادفات تتناثر متباعدة عبر مسيرة المسرح المحلي، وكان اغلبها قد جاء نتيجة جهود فردية واجتهادات من بعض المؤسسات.
تمثيل
الحجر الأسود والنمرود في رومانيا
آخر مشاركة في مهرجان أجنبي تمثلت في عرض مسرحية (الحجر الاسود) التي كتبها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وأخرجها التونسي المنصف السويسي، في مهرجان سيبيو الدولي في رومانيا في يونيو الماضي، والعرض من إنتاج فرقة مسرح الشارقة الوطني، وشارك فيه فريق عمل يضم أكثر من أربعين ممثلاً وادارياً يمثلون الطاقم الفني والتقني والإداري. حيث كانت مسرحية الحجر الأسود على موعد مع عرضين خلال الزيارة، العرض الأول أقيم ضمن فعاليات المهرجان، والآخر أقيم في العاصمة الرومانية بوخارست وخصص للوفود الرسمية والجاليات العربية والطلبة الإماراتيين والعرب المبتعثين للدراسة في رومانيا. وقبل (الحجر الاسود)، حققت ايضا مسرحية (النمرود) وهي ايضا من تأليف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة، نجاحاً كبيراً عند عرضها في المهرجان نفسه في العام الماضي، حيث صرح الفنان احمد الجسمي بأن الرومان تذكروا في هذه المسرحية ايامهم المريرة، التي رافقت عهد الدكتاتور تشاوشيسكو.
معايير
آليات لاختيار التمثيل الخارجي
وعن آلية اختيار العروض المسرحية للدعوات التي تتلقاها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع من المهرجانات الخارجية قال بلال البدور: «حينما نقرر المشاركة في مهرجان مسرحي خارجي، فإننا نطلب من جمعية المسرحيين بالدولة ترشيح افضل ثلاثة أعمال مسرحية، نختار منها الافضل لرعاية مشاركته وتسهيل مهمته».
اقتراح
القطاع الخاص يجب أن يدعم المشاركة الخارجية
ناجي الحاتي يرى أن اسهام القطاع الخاص جزء من مسؤوليته الاجتماعية تجاه التنمية الثقافية في المجتمع، وكما يفعل اخواننا المسرحيون في تونس، حيث يذهبون الى اغلب المهرجانات الاجنبية، معتمدين على دعم الرعاة واشراك القطاع الخاص. لكن الامر في النهاية يعتمد على السعي والرغبة من قبل الوزارة في تكريس مشاركات المسرح المحلي في المهرجانات التي تقام في الدول الأجنبية. فإذا وجدت الرغبة يصبح من السهل تجاوز عقبات التمويل.

