للطهي والأكلات أو ما يطلق عليه فن التذوق حكاية تروى وأبعاد تتخطى الضرورة الفيزيائية لتناول الطعام والشراب وتدخل في صميم الملامح الحضارية والثقافية لهذا الشعب أو ذاك، بحيث أن نوعيات الأكل والشرب وأشكالهما وطرائق تحضيرها وتقديمها وتناولها كانت ولا تزال تشكل جزءا لا يتجزأ من هوية الشعوب، وأنها لا تنشأ وتتطور في جزر معزولة بل إنها تتأثر وتؤثر في العادات والسلوكيات المحيطة بها. الكثير من الكتب والمؤلفات تناولت فن الطهي على مر العصور وتضمنت وصفات ومكونات مختلف أصناف أكلات الشعوب حول العالم، بل إن المكتبات باتت تعج رفوفها بكتب الطبخ جنبا إلى جنب مع بقية أنواع الكتب الأخرى، بينما دأبت معارض الكتب، بالإضافة إلى عرض هذه النوعية من الكتب، على تنظيم حفلات توقيع من نوع خاص لكتب الطبخ، حيث يدعى صاحب أو صاحبة الكتاب ويقدم عرضا حيا لما يحتويه مؤلفه من طبخات.

 

برامج فن الطهي

كان معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الثلاثين و في دوراته السابقة يخصص بدوره حيزا لا بأس به لفن الطبخ، وذلك نزولا على مسألة العرض والطلب، حيث يلحظ طلبا متزايدا من قبل زوار المعرض على هذه النوعية من الكتب وكذلك العروض الحية لمؤلفيها، والتي يطغى على جمهورها العنصر النسوي، بينما تتنافس المطابخ العربية والغربية والصينية والإيطالية وغيرها على كسب بطون وعقول زوار المعرض، الذين تتاح لهم فرصة حقيقية للاطلاع على شتى ثقافات الشعوب المتعلقة بالأكل والشرب.

صحيح ان عدد مؤلفات المطبخ غير معروف في حالة معرض الشارقة، لكن واجهات عرض الكتب في الأجنحة المختلفة فيه تشي بأن هذا الرقم كبير وأن اهتمام الزوار بها يتزايد عاما بعد آخر، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار التنوع السكاني الذي تمتاز به دولة الإمارات، التي يعيش على أرضها أكثر من 180 جنسية.

ولذلك ليس غريبا أن يحتفي المعرض بفن الطهي من خلال برنامج خاص يضم عروضا لأشهر المأكولات، وأهم المطابخ في الشرق والغرب، فضلاً عن عرض أهم العناوين التي صدرت في العالم من كتب الطهي وذلك من خلال برنامج الطهي الذي يستضيف 12 طاهيا يمثلون 11 مطبخاً عالميا يتناوبون على تقديم العديد من الوصفات خلال أيام المعرض حيث يقوم كل شيف بتقديم وصفة معينة للبلد أو المنطقة التي يمثلها.

 

فلسفة الطبخ العربي

ومن الطبيعي في هذا المشهد العالمي أن تتجاور كتب تتصدر أغلفتها أنواع من الأكلات تمثل مطابخ عالمية مختلفة، كأن تتجاور الباستا والبيتزا مع السوشي والمسخن، لكن مما لا شك فيه تصدر الأكلات العربية والوصفات الصحية للأطفال وأسماء الطهاة العرب لهذا المشهد الفاتح للشهية، حيث يبرز، على سبيل المثال، عنوان( من وحي المطبخ العربي لقمة طيبة مع سوزان)

و( فتافيت)، ومنال العالم، والشيف رمزي، وعائشة التميمي، والطاهية أنيسة حلو والمطبخ اللبناني وغيرها من الأسماء والعناوين، التي باتت تجذب قطاعا واسعا من زائري المعرض.

كما أن لكل كتاب وطاه فلسفته الخاصة، حيث تؤكد سوزان الحسيني أن فلسفتها تقوم على تمثيلها للمطبخ العربي عموما، وهي تقول بهذا الصدد: ( عندما أقدم عرضا، لا أحب أن افصل بين المطبخ الشامي والمصري والفلسطيني والمغربي، حيث لدينا ما يكفي من الأمور التي تفرقنا، لذلك أبحث عما يجمعنا بالإضافة إلى اللغة والثقافة والتاريخ).

وأضافت مازحة أي انه من الممكن أن نصنع أكلة نطلق عليها ( أكلة الوحدة العربية) تجمع عناصر ومكونات من مختلف الأكلات في البلدان العربية. ونوهت الحسيني إلى أن ثقافة المطبخ في المنطقة العربية لها جذور ضاربة في التاريخ وأن بعض خصائص الأكلات العربية قد انتقلت إلى دول غربية مثل مزج الطعمين الحامض والحلو أو إضافة العسل والفواكه إلى اللحم، الأمر الذي لا يزال يستخدم على نطاق واسع في بلد عربي مثل المغرب ومدينة حلب السورية، في مشهد قالت عنه الطاهية ان المطبخ يمثل مرآة للبيئة المحيطة به.

وحذرت من غزو الوجبات الغربية السريعة لثقافة المستهلك في الإمارات، معتبرة أن هذا النوع من الأكلات ليس أكلا وقد تسبب في أمراض عديدة لأفراد المجتمع عموما والأطفال خصوصا، حيث هناك طفل من كل خمسة أطفال مصاب بمرض السكري، ولذلك تدعو إلى العودة إلى جادة الأكل الصحي والمطبخ التقليدي، منوهة بأن الحب يبدأ من المطبخ، حيث تجتمع الأسرة على مائدة واحدة.