قبل الإبحار في العوالم الثقافية لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، والغوص في صفحات كتابه الجديد (حصاد السنين..ثلاثون عاما من العمل الثقافي في الشارقة) الصادر عن (منشورات القاسمي)، والذي يرى النور اليوم مع افتتاح الدورة الثلاثين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، لا بد من التوقف عند نقطة منهجية باتت تشكل السمة العامة لمشوار هذا المفكر والأديب تتمثل في الخط المنهجي لجل منتجه الابداعي والتاريخي والفكري، فبعد سلسلة من الابداعات المسرحية، التي لم تبق حبيسة بين دفات الكتب وإنما رأت النور على خشبات المسارح في بلدان مختلفة من العالم وبعد صدور كتابيه (سرد الذات) و(حديث الذاكرة) العام الماضي، هاهو يتحفنا بكتاب آخر جديد يسلط الضوء على مشوار ثقافي طويل ينطوي على مشروع ثقافي، يستمد رؤاه من وحي الموروث المحلي المفتوح على المنتج الثقافي الإنساني.

 

مشروع ثقافي

مشروع ثقافي يستعرض الدكتور القاسمي ملامحه ومحطاته الرئيسية من خلال423 صفحة من القطع المتوسط تدعو القارئ إلى القيام بجولة عبر ثلاثين سنة من العمل الثقافي الجاد والشامل الذي يشمل مختلف مناحي الحياة الثقافية والفنية في الشارقة بامتدادها الطبيعية الوطنية والعربية والعالمية، وذلك استجابة لرؤية المؤلف، التي تقوم على مقولة أن الفعل الثقافي إنساني بطبعته وبفطرته السليمة ولا يقف عند حدود قومية أو عرقية أو دينية بعينها، وربما لهذا السبب جاءت فصول الكتاب الخمسة والثلاثين بلا عناوين بالمعنى التقليدي المعهود، بل عمد المؤلف إلى متتالية الزمن كي تأخذ النصيب الأوفر حظاً في تقسيم هذه الفصول حسب السنين، وتعاقب فصول المشروع الثقافي في الشارقة عليها، بدءا من عام 1983 حتى عام 2011 الجاري.

 

ترتيب زمني

لكن هذا الترتيب الزمني الذي يبدو صارماً من الوهلة الأولى يقابله أسلوب سردي هو أقرب إلى اللغة الأدبية المعهودة، التي يعتمدها المؤلف في مختلف كتاباته، حيث لا يجد ضيراً في اللجوء إلى المفردة الشفافة المسبوكة بعناية متناهية تظهر دائما ميل صاحبها إلى عالم الابداع، وانتماءه إليه في المقام الأول، حيث يتحول الكلام إلى سرد أدبي والمعلومة إلى همسة تتسلل إلى قلب المتلقي قبل عقله في مشهد يتماهى فيه الفعل مع الفاعل ويتحدان في بوتقة الفعل الثقافي، الذي طالما شكل محور حياة مؤلف الكتاب ومحركها الأول.

 

محاولة جادة

خمسة وثلاثون فصلا تتعاضد مع مقدمة وخاتمة في محاولة جادة لتقديم وجبة ثقافية وفنية دسمة في مؤلف من المتوقع أن تنفذ طبعته الأولى منذ الساعات الأولى من اليوم الأول لمعرض الشارقة الدولي للكتاب تماما، مثلما حصل مع كتاب المؤلف السابق (سرد الذات) و( حديث الذاكرة) في دورة العام الماضي من المعرض نفسه، الذي يحتفي هذا العام بمرور ثلاثين عاما على قرار تأسيسه الذي اتخذه الدكتور القاسمي بنفسه في سياق المشروع الثقافي نفس، الذي يعرض له في كتابه الجديد، مشروع بات جله جزءاً ملموساً من الواقع الثقافي الذي تعيشه البلاد، بعد أن أصبح يستقطب الكثير من الفعاليات والشخصيات الثقافية ليس المحلية والعربية فحسب وإنما العالمية أيضا وفي مناحي الحياة الثقافية كافة، سواء كان يتعلق الأمر بالمسرح أم الفن التشكيلي أم في الأدب أم في الشعر أم التراث أم في السينما وحتى في الرياضة والاعلام.

 

بناء مجتمع

الخيط المنهجي البادي بوضوح في مسيرة المؤلف ومؤلفه (حصاد السنين) يبدو جلياً من خلال ربط المشروع الثقافي، الذي يشتغل عليه الدكتور القاسمي بلا كلل أو ملل، منذ أن كان لايزال طالبا في القاهرة وحتى الآن، لا يتوقف عند مظاهر الحياة الثقافية في البلاد، بل إنه يطول كنه هذا المشروع ومصدر مشروعيته ومبتغاه متمثلا بالمجتمع عموما وبفئة الشباب فيه على وجه التحديد، حيث تطالعنا أولى كلمات الكتاب بالعبارات التالية: (في بداية سنة 1967، كنت أعكف على وضع خطة مدروسة لإعادة الشباب إلى الاهتمام بمجالات الثقافة، وقد عزمت أن أولي الثقافة والآداب والفنون اهتماما بالغا في المرحلة التالية)، كما يظهر هذا الاهتمام بقطاع الشباب في مواقع عدة من الكتاب كأن يقول الدكتور القاسمي: (أعربت عن أملي في أن يتجاوب شباب المنطقة مع طموحاتي نحو خلق قاعدة ثقافية تشمل الآداب والفنون، وهدم التمادي في مجال البحث عن الأرباح والثروة، متجاهلين أهمية الثقافة. وأنه لا بد من السمو بالروح وبنائها بالثقافة والفنون).

 

لغة سردية

الارتقاء بروح الانسان من خلال الثقافة والفنون وبها، مقولة تتحول في حالة مشروع الدكتور سلطان الطموح إلى مشروع عمل يغص بالنشاطات والمبادرات والأفكار التي رأى الكثير منها النور ومنها ما ينتظر وما حاد صاحبها عن الطريق الذي خطه لنفسه ولمجتمعه قيد أنملة، لا بل إن هذه الطريق تتعمد كل يوم بمزيد من هذه المبادرات والفعاليات، التي يستعرضها المؤلف بصورة متأنية في كتابه ويأتي على ذكر تفاصيلها بلغة سردية مشوقة، ومن بينها المعرض الأول للكتاب في الشارقة الذي أقيم لأول مرة في الثامن عشر من يناير سنة 1982 بمركز (اكسبو الشارقة) وافتتحه الدكتور القاسمي بنفسه في تقليد لايزال مستمراً حتى يومنا هذا.

وتوجز خاتمة الكتاب كل ما ورد فيه، حيث يؤكد أن (من يقرأ هذا الكتاب سيجد أن ما ذكر فيه هي الأنشطة الثقافية المميزة فقط، التي تؤسس مباشرة على الفعل الثقافي، مع وجود مئات من الأنشطة، من شعر ورواية وقصة، ومعارض فردية وجماعية للفنون التشكيلية، لعرب وأجانب، ومسرحيات عربية وأجنبية، يتكامل فيها مشروع الشارقة الثقافي)، الذي أنجز خلال 30 عاما، من ثلاثة أنشطة إلى ألف وستمئة نشاط في السنة.

 

 

الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في سطور

 

حاكم إمارة الشارقة، الإمارات، منذ عام 1972

عضو المجلس الأعلى لاتحاد دولة الإمارات، منذ عام 1972

بكالوريس في العلوم، تخصص الهندسة الزراعية، كلية الزراعة، جامعة القاهرة، مصر، 1971.

دكتوراه الفلسفة في التاريخ بامتياز، جامعة إكسيتر، إكسيتر، المملكة المتحدة، 1985.

دكتوراه الفلسفة في الجغرافيا السياسية للخليج، جامعة درم، درم، المملكة المتحدة، 1999.

الرئيس الأعلى لجامعة الشارقة منذ عام 1997.

الرئيس الأعلى للجامعة الأميركية في إمارة الشارقة منذ عام 1997.

إشراقات

أوجه الحياة الثقافية بمختلف إشراقاتها في الشارقة والإمارات هي محور (حصاد السنين) ولها تعود البطولة في كل صفحة من صفحاته، التي يبدو حرص مؤلفها جلياً عندما يتعلق الأمر بنقل صورة المشهد الثقافي في الشارقة، على مدار العقود الثلاثة الماضية، مشرقة كما هي للعالم بعيدا عن أي تزويق، حيث يمضي المؤلف بسرد وقائع الفعاليات الثقافية التي شهدتها الإمارة، والقرارات التي اتخذها بهذا الشأن والتصورات التي كانت مجرد أفكار تدور بخلده وشقت طريقها إلى حياة الناس وأصبحت جزءاً منها، بعد أن أطلق الدكتور القاسمي مقولته الشهيرة التي يوردها في مقدمة كتابه والتي تقول: ( إنه قد آن الأوان لوقف ثورة الكونكريت في الدولة لتحل محلها ثورة الثقافة). مؤلفاته

ألف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان محمد القاسمي العديد من المؤلفات الفكرية والتاريخية مثل (أسطورة القرصنة العربية في الخليج) و(الاحتلال البريطاني لعدن) و(الخليج في الخرائط التاريخية)، والأعمال المسرحية مثل (عودة هولاكو) و(القضية) و(الواقع صورة طبق الأصل)، وكتب السيرة مثل (سرد الذات) و(حديث الذاكرة) و(حصاد السنين).