برزت محاضرة (أربعون عاماً من ثقافة الإمارات)، التي عقدها، أول من أمس، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في الشارقة، كواحدة من المحاضرات المهمة المعبّرة عن مدى التأثير المتبادل بين الثقافة الإماراتية من جهة والثقافات الأخرى التي تتعايش في الدولة، حيث دعا بلال البدور، الوكيل المساعد لشؤون الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، ورئيس جمعية اللغة العربية، بمناسبة احياء الذكرى الأربعين لقيام اتحاد الإمارات العربية المتحدة إلى تحويل العقد المقبل من الزمن إلى ساحة لزيادة عملية التثاقف بين مكونات المجتمع الإماراتي من مواطنين ومقيمين، منوهاً إلى أن أكثر من 180 قومية تعيش على أرض الإمارات. وأكد ضرورة أن تستجيب المؤسسات الثقافية في الدولة لهذا التنوع الثقافي والتصالح معها ومد جسور التثاقف والحوار معها.
وشكلت هذه الندوة، التي قدمت لها الكاتبة الاماراتية خديجة الرويحي، وحضرها حشد من المثقفين والمسؤولين، وغاب عنها جيل الشباب، محطة ضرورية في تسليط المثقف الإماراتي الضوء على مسيرة التطور الثقافي في المنطقة منذ نحو نصف قرن. وشغل المثقف الإماراتي خلالها العديد من المناصب الدبلوماسية والثقافية داخل الدولة وخارجها، فكان خير شاهد على هذا المشوار المعمد بإرهاصات البدايات. في تلك الآونة، كانت العملية التعليمية، التي تعد ركيزة أي مسيرة ثقافية، تقتصر على الكتاتيب قبل بناء المدرسة الأحمدية في دبي، التي منحت أول شهادة لها عام 1930 لأحمد بن سعيد بن غباش. ومن ثم تطورت إلى ظهور مؤسسة أكاديمية تعد من أكثر المؤسسات تطوراً وعراقة، مروراً بظهور العديد من المؤسسات الثقافية التي قسمها بلال البدور إلى ثلاثة أنواع: المؤسسات الحكومية والمؤسسات الأهلية والمؤسسات الخاصة.
التعليم.. أساس النقلة المعرفية
نوه البدور إلى ضرورة التعريف بالجذور التي نبتت منها الحالة الثقافية الاماراتية، لا سيما وأن هذا المجتمع الناشئ فيه أجيال لا تعرف الكثير عن الإمارات وتاريخها وثقافتها، بحيث أصبح هناك مساحات لا تزال مجهولة من تاريخ البلاد بالنسبة لهذه الفئة الاجتماعية التي يعول عليها الكثير وتشكل الغالبية الساحقة من المجتمع. وأوضح أن العملية التعليمية في الإمارات مرت بمراحل رئيسية عدة من أبرزها مرحلة التعليم التقليدي ومرحلة التعليم شبه النظامي ومرحلة التعليم النظامي، وأخيراً مرحلة التعليم الحديث، التي (أسست للنقلة المعرفية وأسست للمنجز الثقافي بمجمله في الامارات)، حيث لعبت مدارس التعليم الفني الزراعية والصناعية والتجارية منها، وكذلك مدارس إعداد المعلمين والمدارس الثانوية بفرعيها الأدبي والعملي.
كما أكد البدور أن عودة عدد من الطلبة الذين درسوا في الخارج قد ساهم بشكل فاعل في العملية التعليمية من خلال ما عرف في ستينيات القرن الماضي بالجمعية الوطنية، والتي مهدت الطريق لبداية تشكل العمل المؤسسي في الدولة وظهور المؤسسات الرسمية مثل وزارة الإعلام والثقافة التي أصبح اسمها لاحقاً وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع. في حين ظهر بموازاة ذلك مؤسسات أهلية على غرار اتحاد الكتاب وندوة الثقافة والعلوم وجمعية المسرحيين وجمعية التشكيليين وجمعية الفنون الشعبية والتراث الشعبي وأندية الجاليات والنادي الثقافي العربي، وكذلك مؤسسات وجمعيات مهنية ونسائية وأندية للفتيات، مثلما نشأت مؤسسات ثقافية خاصة عبرت عن حالة من التصالح بين الثقافي والاقتصادي مثل مؤسستي جمعة الماجد والعويس.
المؤسسات الثقافية والمجتمع
ثم ركز البدور في محاضرته على الدور الحاسم الذي لعبته وسائل الإعلام في إيصال صوت هذه المؤسسات إلى المجتمع، طالبها بتكثيف دورها في عملية نشر الثقافة، لا سيما وأن الإذاعات ومحطات التلفزيون التي راحت تظهر منذ عام 1968 في البلاد كانت سباقة في لعب هذا الدور وفي الترويج للفعل الثقافي على حد قول المسؤول الإماراتي، الذي لم يغفل في حديثه دور المطابع في تصاعد هذا الفعل الثقافي في الدولة، وكذلك حركة النشر والجوائز الثقافية التي تشكل ظاهرة تتميز بها الإمارات وتتخطى حدودها ومن بينها جائزة زايد للكتاب وجائزة العويس، وهي جهود إذا أضيفت إليها مبادرات ثقافية أخرى مثل الموسوعة الشعرية وشاعر المليون ومشروع كلمة وترجم وإبداعات شابة، فإنها تشكل بمجموعها مشهداً ثقافياً من الطراز الرفيع.