في المرة المقبلة التي سوف تستخدم فيها خاصية "تايم لاين" على موقع "فيس بوك" من أجل استرجاع كافة التحركات التي قمت بها خلال فترة زمنية محددة، حدق في النتيجة: هل تظهر لك بيانات تظن أنه سبق لك أن حذفتها في وقت سابق؟ هل هذا يعني أن "فيس بوك" ومواقع الشبكات الاجتماعية الأخرى لا تطبق بنود قوانين الحماية التي تعلن عنها والتي تتضمن حق المستهلك في إلغاء البيانات التي يختارها من دون أن تقوم الشركة بالاحتفاظ بها؟

لست وحدك من يطرح هذه الأسئلة، فطالب قانون استرالي لا يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر، قام قبل أسابيع بـ"لعبة" كشفت انتهاكات كبيرة لـ" فيس بوك"، فيما يتعلق بالقوانين، ورسم مجددا علامات استفهام حول ماذا كانت قوانين الإعلام التقليدي صالحة لتطبيقها على الإعلام الحديث، أم أنه يتوجب استحداث قوانين خاصة بهذا النوع من الإعلام؟

 

لعبة ماكس

لقد قام الطالب ماكس شريمز بـإرسال طلب إلى الفيس بوك باستعادة كافة بياناته الشخصية وذلك منذ شهر يونيو الماضي. وبالفعل قامت الشركة بإرسال قرص مدمج يحتوي على 1200 صفحة من البيانات بما يشمل كل "الإعجابات" (likes) التي نالها من أصدقائه وغير أصدقائه، إضافة إلى سجلات الدردشة كاملة. والمفاجأة كانت أن شريمز كان قد حذف كثير من البيانات التي تم استعادتها، مما يؤكد أن الفيس بوك يحتفظ بكل بيانات المستخدمين حتى عقب حذفها والتأكيد على ذلك.

ومن هنا بدأ شريمز مبادرة تحت عنوان "أوروبا مقابل الفيس بوك" وقام بجمع حوالي 22 ادعاء فردي حول ممارسات الشبكة الاجتماعية وشكاوى تتضمن عدد مختلف من الطرق التي يحتفظ بها الفيس بوك ببيانات المستخدمين المحذوفة، إلى جانب عرض عيوب الفيس بوك وخلل في شروط الخدمة. ووفقا لهذه الشكاوى والادعاءات أصدر مفوض حماية البيانات الايرلندية طلب تحقيق لمكاتب الفيس بوك للفصل في القضية قبل نهاية العام. وإذا تأكد أن الفيس بوك ينتهك قانون الحماية الايرلندية فلن تقل الغرامة عن مائة الف يورو، وربما يكون للإعلان والدعاية السلبية ضرر أكبر على الفيس بوك مما يجعل الغرامة قد تتزايد عن هذه التكلفة.

 

من دبي إلى كاليفورنيا

مسألة القوانين لا تقتصر على البيانات الخاصة، فهناك أيضا الجرائم الخاصة التي تولدت عن استخدامات هذه الشبكات. في العام 2009، وفيما كانت شرطة دبي منهمكة في التحري حول مصدر التشهير الالكتروني الذي طال احدى الفتيات عبر موقع "فيسبوك"، كانت الولايات المتحدة الأميركية تعيش قصة تشهير من نوع شبيه، انشغلت به وسائل الاعلام، ويدور حول خلاف بين مغنية وعارضة أزياء.

وقد تبدو دبي بعيدة عن ولاية كاليفورنيا الأميركية، لكن حين يتعلق الأمر بالتفكير الجدي الذي لا ينقطع حول الجرائم الالكترونية المتزايدة بفضل انتشار اعلام الشبكات الاجتماعية، والرغبة في وضع تشريعات قانونية تشمل هذا النوع من الوسائط الاعلامية.. فإن المكانين يبدوان قريبين جدا.

وينشغل عدد من المحامين والخبراء القانونيين في البحث عن أطر بإمكانهم التحرك ضمنها من أجل تأسيس بنية قانونية تتضمن الجرائم المرتكبة على وسائط الاعلام الاجتماعي، بدءا من التزوير والتشهير، مروروا بالابتزاز ووصولا إلى ما هو أخطر من ذلك.

وقبل فترة، طالب محامون وخبراء تزييف، في الإمارات، باستحداث مختبرات متخصصة في الأدلة الجنائية للجرائم الإلكترونية، لتعين نتائجها القضاة للفصل في هذه القضايا في المحاكم، إضافة إلى تعيين خبراء في مجال تكنولوجيا المعلومات للاستعانة بهم في مثل هذه القضايا، متوقعين أن تشهد المحاكم خلال الفترة المقبلة زيادة في أعداد القضايا المرتبطة بمواقع الإنترنت الاجتماعية مثل «الفيس بوك» و«تويتر» وغيرهما، في ظل تصاعد وتيرة سوء استخدام بعض الأشخاص لهذه التكنولوجيا في توجيه الإساءة للآخرين عبر نشر صور خادشة أو توجيه عبارات سب وقذف.

وينشغل هؤلاء بحقيقة مفادها أن الأحكام في هذه القضايا تصدر بناء على قناعة القضاة لعدم توافر الأدلة الجنائية المادية، لذلك فهم يسعون إلى تطوير القوانين والتشريعات لتشديد العقوبات بحق مرتكبي الجرائم الإلكترونية، وإنشاء نيابات متخصصة في هذه النوعية من الجرائم وتأهيل محققين متخصصين في هذا المجال.

ومع بزوغ نجم هذه الوسائط في العالم العربي واستخدامها في حركات تحررية وموجات معارضة، بدأت أيضا أسئلة تثار حول المسؤولية القانونية للمدونين في حال تقدم طرف بشكوى متعلقة بالذم أو التشهير. وقد وضع موقعا «فيس بوك» و«تويتر» إطارا قانونيا يحمي الشركتين وموقعيهما الإلكترونيين من التورط في تلك القضايا من خلال جعل مستخدم الموقع المسؤول كليا عن مضمون صفحته الخاصة.

إلا أن الأطر القانونية لمقاضاة طرف عن مضمون في مواقع الإعلام الاجتماعي ما زالت غير محددة، بينما ينتظر المحامون والمراقبون قضايا محددة يقيمها القضاء لتصبح سوابق يعتمد عليها. وتنتقل حدود القضاء من مقاضاة وسيلة نشر معلومة قد تعتبر أنها تساهم في تشهير أو ذم، إلى مقاضاة الشخص المسؤول عن نشر المعلومة.

 

«إنك مسؤول»

وهناك فرق بين الإعلام التقليدي والإعلام الجديد في أن المتهم في قضية تشهير في الإعلام الجديد يكون من يكتب عبارة أو تصريحا معينا، بدلا من وسيلة الإعلام التي تنشرها. وقد اتخذ موقع «تويتر» تدابير قضائية مسبقا كي لا تتحمل على عاتقها المسؤولية القضائية حول ما ينشر على موقعها. وتحمي شركة «تويتر» نفسها من مقاضاتها مباشرة في حال تم استخدام الموقع لنشر معلومات خاطئة أو مغلوطة عن شخصية أو جهة معينة.

وبموجب «شروط الخدمة» التي يوقعها كل من يفتح صفحة خاصة على موقع «تويتر»، يحدد الموقع مسؤولية مضمون الصفحة على صاحبها. وقد أنشأ القائمون على «تويتر» نظام «تعريف» لمواقع المشاهير والشخصيات العامة على «تويتر»، ليعتبر أن «الحساب تم التحقق منه». ويمنح موقع «تويتر» علاقة خاصة زرقاء لكل حساب «تم التحقق منه» ليعلم القراء أن الموقع يمثل حقا الاسم المتعارف عليه.