توج الانتظار الطويل من جانب عشاق الأديب الأيرلندي صمويل بيكيت بظهور أسرار جديدة ومجهولة عن حياته الملتفة بالغموض بثمرة متميزة، حيث كشف المجلد الثاني من رسائله عن جانب لا يستهان به من هذه الأسرار، وفي مقدمتها تمزقه بين اللغتين الإنجليزية والفرنسية، حيث لم يتردد في وصف لغته الأم بأنها لغة مروعة يجيدها أكثر مما ينبغي.

وقد ألقت صحيفة إندبندنت البريطانية، في تقرير نشرته أخيرا، الضوء على هذا المجلد الذي صدر أخيراً عن جامعة كامبردج، والذي يعكس التغييرات الجذرية التي طرأت على حياة بيكيت في الفترة ما بين عامي 1941 و1956. وتصور الرسائل المتضمنة في هذا المجلد تحول بيكيت من شاعر وروائي مبتدئ شديد الإعجاب بجيمس جويس إلى شاعر وروائي أكثر ثقة بنفسه من أي وقت مضى، استقطبت أعماله المسرحية الإبداعية جمهورا عالميا على امتداد فترة طويلة من الزمن.

 

إنجازات أدبية

وقد كانت الفترة ما بين عامي 1947 و1950 حافلة بالإنجازات بالنسبة لبيكيت، حيث شهدت مسرحيته الأولى إليوثيريا، وثلاثيته الروائية الشهيرة مولوي ومالوني يفارق الحياة واللامسمى، التي تميزت بصياغتها الانسيابية والمحكمة في الوقت ذاته، إلى جانب مسرحيته الشهيرة في انتظار غودو. وقد شجعته شهرته المتزايدة ككاتب مسرحي على الإقبال بصورة أكبر على الإنتاج المسرحي والترجمة، وعلى كتابة عدد أكبر بكثير من الرسائل.

وبصرف النظر عن أسفاره التي كان لا بد منها، فقد أمضى بيكيت معظم خمسينات القرن الماضي متنقلا بين باريس ومنزل صغير له بالقرب من قرية أوسي-سور-مارن، التي تبعد ثلاثين ميلا عن العاصمة الفرنسية. وهناك، استمتع بيكيت بدراسة الطبيعة وغرس الأشجار ومراقبة الطيور والبستنة.

وقد أشارت المقدمة التي كتبها دان غن، وهو أحد المشاركين في تحرير الرسائل، إلى حقيقة أن أوسي أتاحت لبيكيت فرصة للحداد، ليس على أحبائه الكثر الذين فقدهم في الحرب أو في السنوات التي تلتها، بمن فيهم والدته وشقيقه، فحسب، وإنما على نفسه أيضا، وعلى ما يجب التخلي عنه عندما يكون المسار المختار، أي مسار الإنسانية وفوق كل شيء مسار الأدبية، مقيدا بقدر مساره الخاص.

 

استرخاء الريف

وقد ساعده الريف كذلك على الاسترخاء، حيث كتب قائلاً: سأزرع غدا بعض السبانخ والكراث. وها أنا أجمع البرقوق الأخضر لأتمكن من تحضير شراب ال أو دو في (ماء الحياة) الخاص بنا. وقد اشتريت عربة، وهي عربتي الأولى. إنها تسير بشكل جيد، على عجلتها الواحدة. وأنا أراقب عن كثب حياة خنفساء كولورادو العاطفية، وأحاول أن أصعبها، بنجاح ولكن بطريقة إنسانية، أي من خلال رمي الوالدين في حديقة جاري وحرق البيوض. أتمنى لو أن أحدا فعل ذلك بي.

وهذه العبارة ستجعل محبي بيكيت يبتسمون، ولكنها في الوقت نفسه ستجعلهم يشعرون بالامتنان لأن أحدا لم يفعل ذلك بكاتبهم المفضل. وسيشعرون بالامتنان والتقدير أيضا لجهود المحررين والمترجمين والمؤرخين الذين تعاونوا على إنتاج هذا العمل الرائع.