يعيد الصحافي والكاتب الفرنسي سورج شالاندون أيرلندا إلى المشهد السياسي، ولكن من نافذة الأدب، بعدما أصبحت قضية منسية، فقد استطاع الكاتب أن يجعل من مادة الخيانة القبيحة فعلاً مؤثراً، نعيد فيه النظر من خلال روايته (العودة إلى كيليبيغز). وهذا ما دفع الأكاديمية الفرنسية إلى أن تمنح جائزتها الكبرى إلى هذا الكاتب (حصل على 13 صوتاً من أصل 20 صوتاً)، بعد أن حازها الكاتب الجزائري الأصل، ياسمينة خضرة. هكذا يعود بنا الكاتب إلى مسقط رأس بطل روايته (كيليبيغز)، لنعيش معه تفاصيل هذه الخيانة حتى بعد مرور عشرين عاماً عليها، فالخيانة لا تتقادم بمرور الزمن.
قصة السرد
يقول شالاندون عن روايته (إنني انزلقت إلى داخل جلد الخائن، وهو الراوي الذي يسرد قصة طفولته البائسة، وضربات أبيه، والقنابل الألمانية التي تتساقط عليهم، والرصاص الانجليزي، وحبه للجمهورية، وسلاحه الأول، والإهانة التي كان يشعر بها، وحميميته، والعنف المتطرف، وأيامه ولياليه في الاختفاء. وهو يواجه خيانته بسردها والتخلص من كابوسها الذي يثقل صدره. بل أكثر من ذلك فإن الكاتب يطلب من القارئ أن يعايش ألم هذه الخيانة ويشاركه فيها.
العودة
البطل يدعى، تيرون ميهان، يعود إلى كيليبيغز، قرية طفولته لكي يموت، لكنه لا يموت موتاً طبيعياً لأنه ببساطة خان بلده، ورفاق السلاح، من أجل العدو، المتمثل في المخابرات البريطانية، فهو لم يخن نفسه فقط بل خان صديقه، هذا الرجل الذي كان مهوساً بقضية ايرلندا وهو الفرنسي انطوان، الذي اعتبره خائناً شخصياً له، ثم خائناً في نظر الجميع).
تتبع الطفولة
كما يتابع سورج شالاندون بحثه، في محاولة فهم صديقه، خائنه في الحقيقي، الذي كان شخصية دينيس دونالدسون في رواية سابقة. ومن خلال فهم عزلة الخائن، وتتبع حياته، والبحث عن الأب الروحي، وكل التقلبات التي تمر بها الشخصية، ولدت روايته من خلال تتبع طفولته، وانتحار والده بسبب اندحاره، وحياة زوجته، وايرلندا، وصمته الهادئ وعذاباته. ولكي تصبح ايرلندا فضاءً روحياً وحميمياً للكاتب، كان يجب عليه أن يدخل في خصوصيات الخائن وأسرار حياته، ويحول تلك الحياة إلى وقائع ملموسة، من خلال عملية السرد.
صدى الراوية
كما يؤكد الكاتب، فإن الخائن موجود في ذات كل واحد منا. لكن ما فعله الكاتب هو إزاحة القناع عن الجانب المظلم من ذواتنا. هذا الاختيار الذي يبعدنا عن ذواتنا. وقد سبق له أن كتب رواية عن الموضوع ذاته، وهي (خائني)، ولكنه وجد صدى ذلك في روايته الجديدة. فهو كاتب يفكر جيداً بشخصياته، بل يعيش حياتها، ويعطي التكثيف الدرامي لحياتها، بل وجسد أيرلندا، ليس عبر الخيالات بل عبر أرواح ناسها.
نهاية الصراع
وهو يستخدم الكلمات البسيطة ذات الموسيقى الواضحة. وفي نهاية الصراع، لا يبقى سوى واحد: الرجل المتسامح، القادر على الخيانة، وكذلك على الحب أيضاً. فقد استطاع الكاتب أن يجسد ايرلندا بكل تعقيداتها في 334 صفحة.
