أماكن تفوح بعبق التاريخ، حفظت لقرون الثقافة الشفاهية للأسلاف، وتحولت إلى ذاكرة الإنسان الإماراتي، رغم ما أصابها من عمليات الالغاء والتخلي والهجر. وكان للطفرة العمرانية التي شهدتها الدولة، تأثير مباشر وغير مباشر في انتقال أهالي الامارات الى مناطق بعيدة عن الشواطئ ومراكز المدن والأسواق القديمة، وأقرب الى الصحراء. وكذا طالت عملية التهديد مخزون ثقافتنا وذاكرة المكان. هذه المحاور شكلت موضوع الملتقى الثالث للتراث في الشارقة، الذي انطلقت فعالياته أمس، وتختتم اليوم، اذ تشارك فيه مجموعة من الباحثين والمتخصصين.
الطفرة العمرانية
ناقشت جلسات ملتقى التراث الثالث، الذي اقامته ادارة التراث بالشارقة، وافتتحه عبدالله العويس رئيس (ثقافية الشارقة)، في مقر كلية تقنية الطالبات بالشارقة، وحضره عدد من المهتمين بالتراث الشفاهي، ناقشت مفاعيل التأثيرات على المكان وثقافته ومعالمه، نتيجة الطفرة العمرانية، وخلل التركيبة السكانية، وتبني سياسة اقامة مدن سكنية بعيدة عن المركز، هجر الاماراتيون اسواقهم وحواريهم ومناطق ذاكرتهم الاصلية، ليجدوا انفسهم في امكنة جديدة، بعدما تخلوا عن تلك القديمة للوافدين الذين صاروا يحتلون معظم المدن والمناطق التجارية والسكنية المهمة، والتي في العادة هي قريبة من سواحل البحر.
هذا الهجر، ادى كذلك الى طمس هوية الامكنة القديمة. ورغم عمليات الترميم والجهود فكل ما تم اعادته الى الحياة لا يتجاوز 5٪ في احسن الاحوال من تلك المناطق المرممة، لهذا تلاشت من على السطح ذاكرة ملامح مخزون مليء بالجواهر التاريخية، والمتعلقة بالانسان الاماراتي، وصارت عملية استرجاعها، بالرغم من صعوبتها، نوعا من ممارسات الحنين.
والندم على تلك السياسات المتسرعة، التي اقتلعت الانسان الاماراتي من جذوره، لتلقيه على اطراف الصحراء، بعيدا عن مرابعه الاولى. وطغت الآن روحية الزحام التي تشكل بناء وتكوينا ديموغرافيا جديدا وافدا قوامه اكثر من 180 ثقافة، وهي من العمالة الوافدة التي تقدر باكثر من 6 ملايين نسمة، وغابت الاسماء، وغابت القصص، وانطمرت الاحداث التي كانت تسكن الاماكن حجارتها.
الحزن على الماضي
حضر جميع تلك المفردات البحثية، بقوة ونوعية، في صلب ومضامين اوراق البحث المقدمة بالملتقى، وكان هذا حاضرا في صورة حنين كبير يعبر في فضاء نبرات الذين تحدثوا. وهو الامر الذي جعل الباحث التراثي سعيد حداد يتحدث بحرقة وحزن شديدين، حينما تساءل عن شكل الهوية الذي نبحث عنه في الشارع، وكيف تم تغيير حتى اسماء المناطق والاماكن القديمة، ومحي الكثير منها من ذاكرة الحاضر. وكان اول المتحدثين في جلسات الملتقى الباحث والفنان التشكيلي القطري محمد علي عبدالله، الذي اشرف على اعادة احياء منطقة سوق واقف في دولة قطر.
حيث قدم المحاضر شرحا للجهود التي بذلتها حكومة قطر من اجل اعادة المنطقة التراثية للحياة من جديد، واشار الى انه كفنان تشكيلي، عاش في تلك المنطقة، حاول استعادة ذاكرته في رسم ملامح سوق واقف، وتلك اللوحات الثلاث هي التي جعلت القيادة في قطر تفكر في اعادة السوق، الذي كلف اكثر من 700 مليون ريال، بين عمليات ترميم وعمليات تعويض للمباني الحديثة التي تم هدمها لاعادة تأهيل المكان الاثري. ثم تلا ذلك ورقة قدمتها الباحثة فاطمة المغني التي تناولت شرح بعض الاسماء التي اطلقت على مناطق في الشارقة، ومنها مدينة كلباء.
فيما استكملت ورقة سعيد الحداد، الحديث عن اسماء مناطق كلباء، مشيراً الى منطقة وسام التي كانت في يوم ما، ملتقى لاهل المدن واهالي كلباء، عندما كان يقصدها اهالي المدن تلك، هذه المنطقة كمصيف، واستعرض كيف اثرت المنطقة في خلق علاقة تبادل ثقافي بين اهل المدن والريف.
»الشارقة القديمة«
شارك في الملتقى عدد من الباحثين والمهتمين، وتتناول محاوره، ملامح مشروع ذاكرة الشارقة القديمة، الذي اطلقته ادارة التراث بالشارقة، من اجل تجييش الرواة والباحثين، لاعادة اضاءة المسميات التي اطلقها اهل الشارقة على اماكنهم، وما تحويه هذه الاماكن في الذاكرة التاريخية والثقافة الشفاهية. وتحدثت الدكتورة بروين نوري، المشرف على المشروع، مشيرةً الى ان خطوات المشروع، بدأت باجتماعين عقدتهما ادارة التراث في (ثقافية الشارقة)، للرواة من اجل توثيق اسماء المناطق في الشارقة، مؤكدةً تركز الجهود على تكوين حصيلة من الروايات لتوثيقها وحفظها من الضياع.
