باتت الورش ودورات التدريب المسرحية، في الامارات، سواء المتخصصة منها او العامة، في ميدان التأليف المسرحي ومعالجة النصوص وكتابتها، جزءاً لا يتجزأ من مشهد ومضمون الابداع على الخشبة، خلال السنوات الأخيرة. وأدى ذلك إلى ترسيخ نمط معين من التفكير الدرامي، بفضل خبرات المشاركين فيها. ومن أجل ترسيخ القيم المسرحية، بدأت دورات الورش الارتقاء بواقع التأليف المسرحي، استجابة لتوصيات المهرجانات والملتقيات المسرحية التي تحظى باهتمام خاص من قبل المؤسسة الثقافية محليا.
فماذا عن دور هذه الورش، ومستوى نجاحها في اداء وتحقيق الاهداف المطلوبة؟ وكيف هي آليات العمل التطويرية الأنجع؟ وما الذي يراه المتخصصون بشأن كيفيات العمل المنهجي الانسب في فضاءات تجويد قاعدة التأهيل والتدريب المسرحي بالدولة؟ وكيف يقيمون منوال وشكل نجاح هذه التجربة ؟
الإمارات.. حراك الورشات
يؤكد ياسر القرقاوي، مدير الفنون الأدائية في هيئة دبي للثقافة والفنون، أن المسرحيين يواجهون في المرحلة الراهنة، صعوبة كبيرة في إيجاد منطلق لتقديم أعمالهم واكتساب معارف وخبرات جديدة في مدارس هذا الفن العريق. ويضيف: (دفعنا هذا، في( دبي للثقافة) إلى أن نقوم بتقديم ذلك النوع من الدورات المتميزة لتعزيز إمكانات ومهارات المسرحيين الشباب، ومساعدتهم على الارتقاء بمستوى أعمالهم الأدبية والفنية ). بينما يرى الفنان محمد العامري، أنه إذا لم يكن هناك اهتمام من قبل الشباب أنفسهم، بضرورة حضور هذه الورش والدورات والاستفادة منها، فلا إمكانية لتطوير مستوى الكتابة المسرحية عندهم، الأمر الذي لا ينقص من دور الجهات التي تقيم مثل هذه الفعاليات. ويشدد العامري على أن (الامارات ربما تكون أكثر دولة عربية تعقد دورات من هذا النوع، ولا سيما التخصصية .ودعا إلى التحرك من خلال الفرق المسرحية باتجاه دفع الشباب وتحريضهم على المشاركة في هذه الورش، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن مجموعة لا بأس بها من كتاب الجيل السابق، أمثال عبد الله صالح وعلي جمال وعيسى كايد، تشارك في هذه الورش، بينما نجد في المقابل نقصا في مشاركة الشباب، وتحديدا الذين يخوضون تجربة الكتابة ويشاركون في مهرجانات مثل مهرجان دبي لمسرح الشباب، مبينا أن العالم العربي بأسره، يفتقر للكاتب المسرحي، حيث لم تعد البيئة والقضايا المطروحة تساهم في صنع الكاتب، الأمر الذي دفع القائمين على الشأن المسرحي في البلاد، إلى إقامة الورش والدورات، ولكن -حسب ما يقول- يبقى السؤال: أين هم الشباب؟).
المسرحيون الشباب
لا يضع القاص محسن سليمان جميع ورش التأليف المسرحي في سلة واحدة، ويعتبر أنها مفيدة لتعزيز إمكانات ومهارات المسرحيين الشباب، ومساعدتهم على الارتقاء بمستوى أعمالهم الأدبية والفنية، فضلا عن ضرورة تقليص عدد المشاركين فيها، وجعلها على مراحل مثلما عمدت إدارة المسرح في الشارقة، في الدورة التي أشرف عليها الفنان السوري فرحان بلبل أخيرا. وتساءل سليمان عن الأسباب التي تحول دون أن تنعكس هذه الورش على الأعمال المقدمة على خشبة مهرجان مثل (دبي لمسرح الشباب). ويقول: (أعتقد بضرورة وجود شروط لقبول الأعمال المشاركة في المهرجان، حيث يفترض من المشارك فيه أن يكون شارك في ورشة متخصصة). واما الفنان العراقي، محمود أبو العباس، فيرى أن ثقافة الشخص وتجربته الشخصية وموسوعيته هي التي تخلق منه كاتبا مسرحيا، ثم تأتي الموهبة، حيث تتضافر مجموعة من الرؤى والأفكار التي يجب على المؤلف أن يبحث عنها بنفسه، بعيدا عن أي آلية محددة للكتابة قبل أن يشرع في الكتابة نفسها، ذلك أن امكانية التعلم يسيرة، لكن الصعوبة تكمن في إدامة الكتابة المسرحية، اعتمادا على تطوير الذات من خلال القراءة والمتابعة والبحث والمشاهدة والرصد.
ويرى الفنان بلال عبد الله، أن هذه الدورات ظاهرة صحية في ظل عدم وجود معاهد تهتم بهذا الجانب، ويجدها تشكل خبرة تراكمية للمشاركين فيها، سواء كان ذلك في الكتابة أو التمثيل أو غير ذلك، وهذا يعني أنها تشكل خبرة مفيدة لثقافة الفنان المحلي، حتى ولو بصورة جزئية. ولاحظ عبد الله ان جزءا من المشكلة يرتبط ارتباطا وثيقا بواقع أنه من بين جميع المشاركين في مهرجان مثل مهرجان دبي لمسرح الشباب، ليس هناك من شارك في تلك الدورات.
ندرة الكاتب المسرحي المحلي
يثني الكاتب المسرحي إسماعيل عبد الله، الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، رئيس مجلس إدارة جمعية المسرحيين الإماراتيين، على أهمية هذه الدورات والورش، حيث الحاجة ماسة إلى أن تقيم جميع الجهات المتخصصة، ورش كتابة مسرحية، فهي بالتأكيد استشعرت الخطر الذي يعاني منه مسرح الامارات. ويتابع عبد الله: ( نحن نعاني بالفعل، من ندرة الكاتب المسرحي المحلي، لكن هذه الورش ينقصها الكثير، فهي ورش غير ممنهجة، وتفتقد التنسيق فيما بينها، فما معنى أن تعقد في مكان واحد ورشتان للتـأليف المسرحي؟ ولمن تتوجهان أصلا؟ ومن يشارك فيهما؟ ثم يتعين علينا إذا أردنا كاتبا مسرحيا ناجحا، أن نؤسس له تأسيسا علميا ضمن منهجية علمية واستراتيجية مستقبيلة، وإلا فإن هذا الجهد سيضيع سدى.هذه الورش تحتاج إلى إعادة نظر ودراسة وتنسيق، حالها في ذلك حال كل الفعاليات المسرحية الأخرى، التي تدعو جمعية المسرحيين إلى التنسيق فيما بينها، ضمن أجندة موحدة منذ سنوات. يعتبر استلهام وعكس توصيات الملتقيات والندوات المسرحية ركيزة أساسية في منوال خطط ورش التدريب في (ثقافية الشارقة). هذا ما يؤكده أحمد بورحيمة، مدير إدارة المسرح بالدائرة. ويضيف: (لأن خطة إدارة المسرح بدائرة الثقافة والإعلام في تنظيم الورشات والدورات التدريبية، تأتي ترجمة للتوجيهات السامية لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، مستلهمة،غالبا، من توصيات اللجان المحكمة في المسابقات المسرحية وأوراق العمل التي تقدم في الملتقيات الفكرية السنوية والندوات الشهرية والاسبوعية، وسواها من البرامج التي تنظمها الإدارة على مدار السنة، كما ان للادارة طريقتها في استشعار احتياجات الساحة المسرحية للورش وبرامج التأهيل. وخلال الشهور الماضية ـ بدءاً من يناير ـ من هذا العام نظمت ادارة المسرح بالدائرة مجموعة من الورشات في التخصصات المسرحية المختلفة وهي كانت موجهة للاطفال وللهواة وللمحترفين؛ كما قُصد ان تغطي الورش جميع مناطق الشارقة).
