وجه المشاركون في (ملتقى الشعر والتعايش السلمي) بدبي، في ختام فعالياته، اول من امس، برقية شكر وتقدير إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على رعايته لهذا الحدث الثقافي الكبير الذي احتضنته دبي خلال الفترة من 16 ـ 18 أكتوبر 2011، منوهين بأن رعاية وحضور سموه حفل الافتتاح كان له الصدى الأجمل في نفوس جميع الحاضرين من المفكرين القادمين من القارات الخمس.

وجاء في نص البرقية: "إن احتضان دبي هذا اللقاء يؤكد من جديد ما تختزنونه من معرفة بأهمية اللقاءات العلمية والفكرية التي أصبحت دبي مقرا لها، منطلقة من تاريخ لكم ولآبائكم، الذين عملوا على رفع راية هذا الوطن المعطاء. وأما أياديكم وجهودكم في مجال التنمية الثقافية ووضعها في ارقى الأولويات فقد شهد لها القاصي والداني". وثمن المشاركون مواقف سموه التاريخية التي سوف تحفظها الأجيال، داعين الله أن يمن بنعمته عليه، وأن يمتعه بالصحة، وأن يمن على دولة الإمارات العربية المتحدة وإمارة دبي، بالرفاه والأمان.

وقرأ نص البرقية، نيابة عن الشعراء والمثقفين العرب والعالميين، الشاعر عبد العزيز سعود البابطين- رئيس مجلس أمناء مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للابداع الشعري، في حفل ختام الملتقى الذي أقيم في دبي.

 حفل الختام

استمع جمهور الحفل، في ختام (الشعر من أجل التعايش السلمي)، إلى أجمل القصائد وأعذب الكلمات والصور، فكانت آهات الإعجاب تفلت من الصدور هنا وهناك، ليطلب من بعض الشعراء إعادة المقاطع ليترنموا بالكلمات وتتطرب آذانهم بالإيقاع. وتلا فقرة الشعر، كلمة شكر من المشير عبدالرحمن سوار الذهب لرئيس مجلس أمناء (مؤسسة البابطين)، بمناسبة تكريمه في بداية الملتقى. ليتم بعد ذلك تكريم الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين- رئيس مجلس أمناء المؤسسة، من قبل جمهورية القمر المتحدة، ثم تكريم مؤسسة البابطين لجمال بن حويرب المهيري-عضو اللجنة العليا للملتقى ـ المستشار الثقافي في المكتب التنفيذي بحكومة دبي، وإيزابيل أبو الهول ـ عضو اللجنة التنفيذية للملتقى، ومؤسسة دبي للإعلام ودائرة التشريفات والضيافة والقيادة العامة لشرطة دبي، والإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب.

 أبيات عذبة

في رحاب الشعر، ضمن حفل الختام، استمع الحضور بداية إلى الشاعرة مهاباد قره دالي من أقليم كردستان التي ألقت قصيدتها لتعبر من جسر قنطرة، إلى جسر الندامة فقنطرة العهد وأخيراً الكارثة. ومع الشاعر العراقي محمود الدليمي حلق الجمهور في صور شعرية بكلمات جزلة انتزعت التصفيق عدة مرات. كما ألقت الفنلندية توا فورستروم ثلاث قصائد، ومن بعدها الشاعر المصري حسن شهاب الدين الذي أمتع الحضور بقصيدتيه (أبجدية المصباح) و(كونشرتو الأشجار).

كما استطاعت الشاعرة الكويتية دلال البارود، أصغر الشاعرات في الملتقى، أن تستأثر بإعجاب الجميع، ليأخذ الشاعر البريطاني بول بليزارد الحضور إلى لغة الآخر. ومنه إلى الشاعر الأردني محمد تركي حجازي في قصيدته (قصيدة تتهجد)، تلاه الشاعر الدنماركي نيلس هاو الذي ألقى قصائده باللغة الانجليزية، وتلاه الشاعر السعودي (جاسم الصحيّح) الذي ألقى في البداية قصيدة في الغزل الرفيع، لينتقل بعدها بقصيدته (غراب على شجيرة الميلاد) إلى فلسفة الحياة.

 لقاء

سبق فقرة التكريم إلقاء المشير عبد الرحمن سوار الذهب، رئيس السودان سابقا، كلمة شكر بدأها: (لم أجد كلمات أصدق من إلقاء قصيدة الشاعر المبدع عبدالعزيز سعود البابطين (لقاء)، من ديوانه (مسافر في القفار) عام 1995). وقوبل المشير بتصفيق وحماس من الحضور. وكان التكريم الأول من الكولونيل حسن السيد هارون الذي قدم للشاعر عبدالعزيز سعود البابطين ورئيس مجلس أمناء مؤسسة عبدالعزيز البابطين وسام شرف برتبة كوماندوس من أعلى أوسمة الدولة بالنيابة عن رئيس جمهورية القمر المتحدة، إضافة إلى إطلاق اسمه على أحد شوارع محافظة الشمال في جزر القمر.

وتلا ذلك، تكريم المؤسسة لجمال بن حويرب المهيري عضو اللجنة العليا للملتقى المستشار الثقافي في المكتب التنفيذي بحكومة دبي، وإيزابيل أبو الهول عضو اللجنة التنفيذية للملتقى.

 البيان الختامي

في ختام الحفل، قرأ الدكتور خليفة الوقيان بالعربية والدكتورة ماريا بونسي ديلوني بالانجليزية، البيان الختامي للملتقى، ومما جاء فيه: المشاركون في ملتقى (الشعر من أجل التعايش السلمي) الذي دعت إليه ونظمته مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، الذي حضره نخبة من الأدباء والكتاب والشعراء والمفكرين من القارات الخمس، وقدمت فيه البحوث المعمقة حول الشعر والتآلف الإنساني - يؤكدون بعد تدارسهم للأوضاع الإقليمية والعالمية، أن العالم يمر بمرحلة صعبة من التغيير، تتجلّى مظاهره في الحراك الشعبي العربي الكبير، وفي الأزمات الدولية المتفجرة، اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، وأن مثل هذه الأزمات تأتي كما هو متوقع بتوترات هيكلية قد تقود إلى ما لا تحمد عقباه من اندلاع نزاعات عنيفة بين البشر.

ويؤكدون أن البشرية لا يمكن أن تتقدم إلا بإعلاء السلام العادل والمحبة والتآلف بين الشعوب وإقامة الحوار البناء. وهو أمر يدعو إليه الشعر العربي والعالمي قاطبة. إن حوار الحضارات والثقافات وتفهم الآخر والتوزيع السليم والعادل للقوة الاقتصادية والسياسية بين الشعوب، هو مخرج أساس في سبيل تخطي هذه العقبات التي تواجه البشرية اليوم. من هنا، فإن المجتمعين في ملتقى «الشعر من أجل التعايش السلمي» قد أجمعت رؤاهم على أهمية السلام العادل والتعاون والتآزر بين الشعوب، وأهمية الحوار البناء الذي يقود إلى حل الأزمات الهيكلية التي تواجه بني البشر في مطلع العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين...

ويرى المجتمعون أن حرية الإنسان هي جزء لا يتجزأ من حرية الأوطان، فكلاهما مكمل للآخر، ولا تنتعش الحرية إلا باحترام الآخر وتفهم مطالبه الحقّة، وكلّما اتسع نطاق الحرية اتسع نطاق العدل، وتحقق للإنسان الرفاه. إن المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تحيط بالعالم هي مخاطر حقيقية، خلفت في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين حروبًا شعواء في أكثر من مكان من هذا العالم وخاصة في منطقة المشرق العربي. وقد آن الأوان لرفع الصوت عاليًا من جميع أهل الضمير لتأكيد أن الطريق إلى الغد هو طريق مفروش بأزهار التفاهم لا بمواسير البنادق ، إن احترام كرامة الإنسان الذي كرمه الله عز وجل هو أكثر الطرق سلامة للوصول إلى حالة من الرضى والعدل والأمان.

تكريم «دبي للإعلام»

 كرمت مؤسسة البابطين، خلال الحفل، مؤسسة دبي للإعلام، بشقيها جريدة البيان ويمثلها ظاعن شاهين رئيس التحرير، وقنوات دبي الفضائية ويمثلها علي خليفة الرميثي المدير التنفيذي للقنوات، ودائرة التشريفات والضيافة ويمثلها أحمد علي الزعابي مساعد مدير عام الدائرة، والقيادة العامة لشرطة دبي ويمثلها كل من العقيد عبدالله الخليفة والمقدم بطي السويدي، والإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب ويمثلها الملازم أول عمر مطر المزينة، لجهودهم في تنظيم وتنسيق وإنجاح الملتقى. كما تلقى رئيس مجلس الأمناء تكريماً من قبل (بيت فلسطين للشعر) عبارة عن درع تذكارية ولوحة بورتريه لشخصه، والتي سلمها له سمير عطية المدير العام للبيت.

المترجمون الفوريون جنود مجهولون في الملتقيات والبرامج الفكرية

جنود مجهولون بكل ما للكلمة من معنى، يكاد لا يلتفت أحد لهوياتهم الشخصية، ولا لأسماهم أو ملامح وجوههم، رغم الاعتماد الكلي عليهم عندما يتعلق الأمر بفهم لغة لا نفهمها، إنهم المترجمون؛ الذين يقبعون عادة خلف الكواليس في غرفة زجاجية صغيرة في المنطقة الخلفية من قاعات المؤتمرات والملتقيات، حيث تتسلل أصواتهم عبر سماعات الرأس إلى جمهور عريض ممن لا يجيدون اللغة التي تصدح بها مكبرات الصوت التي تملأ تلك القاعات.

وكان اللافت في ملتقى (الشعر من أجل التعايش السلمي)، انه لم يختلف أمر هؤلاء المترجمين إلا لجهة مواجهتم مزيداً من الصعوبات التي تواجه نظراءهم في حقول الترجمة الأخرى، ذلك أن ترجمة الشعر تبقى لها خصوصيتها، لا سيما إذا كانت ارتجالية، أو على الأقل هذا ما يؤكده فريق مركز أبوظبي للترجمة، الذي أوكلت إليه مهمة ترجمة وقائع ملتقى البابطين من اللغتين الفرنسية والانجليزية إلى العربية، والعكس، وكانوا أهلاً لهذه المهمة الشاقة.

حيث نادراً ما يتمكن المترجم من الصمود أكثر من عشرين دقيقة متواصلة، ليحل محله زميل آخر يتابع المهمة، وهكذا دواليك، لكنهم يؤكدون كذلك أن الكثير من الصعوبات التي تواجههم، إن لم تكن جميعها، يتم تجاوزها بسهولة اعتماداً على تراكم الخبرات في مثل هذه المواقف التي يتعرضون لها أثناء قيامهم بعملية الترجمة المباشرة، لا سيما وأنهم محترفون متخصصون ومتخرجون في كليات متخصصة.

تحت عنوان عريض هو ( آفاق التواصل)، ناقشت الجلسة الختامية من ملتقى ( الشعر من أجل التعايش السلمي)، الذي نظمته مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في دبي، ثلاثة محاور رئيسة تحت عناوين فرعية هي ( ترجمة الشعر.. مغامرة وتواصل)و( الأدب المقارن وقضايا التأثير والتأثر) و( ارتحال الشعر.. رحلات الشعراء بين الشرق والغرب)، وذلك في محاولة جادة لتسليط الضوء على الجانب التقني أو الفني من عملية تناقل الثقافات عموماً والشعر على وجه الخصوص، ومن خلال مداخلات ومناقشات شارك فيها عدد من الأسماء العربية والأجنبية اللامعة في هذا الميدان والذين قدمهم الدكتور عبد الله المهنا الذي أدار الجلسة.

 الموسيقى الشعرية

بداية قدم الدكتور محمود الربيعي مداخلة حول ترجمة الشعر أوضح فيها أن نقل الشعر إلى لغة أخرى من الأمور شديدة الصعوبة مذكراً برأي الجاحظ الشهير الذي يقول إن الشعر لا يترجم، ما يضع معشر المشتغلين بالشعر وترجمته في ورطة حقيقية محورها فكرة إلى أي مدى يمكن أن يذهب مترجم الشعر في عمله الترجمي في ظل حاجة متزايدة لهذا العمل، الذي تكمن صعوبته في أن الموسيقى الشعرية تعتبر جزءا لا يتجزأ من كيانه ولأن الشعر فن مبني على الصورة والمجاز والتشبيه ، فضلا عن أنه ابن لغة أناس لهم عادات وتقاليد متباينة.

وقدم الربيعي حلًا لمعضلة نقل الشعر من لغة إلى أخرى يقوم على توفر ثلاثة شروط هي أن يشارك فيها شاعر من اللغة الأم وشاعر من اللغة المترجم إليها وطرف ثالث من اللغة المترجم إليها للمقارنة، بحيث يتم الحصول على قصيدة جديدة.

بدوره أكد الدكتور أحمد درويش على صعوبة ترجمة الشعر، لكنه أكد كذلك على ضرورة ذلك شرط أن يتمكن المتلقي الثاني من الحصول على رسالة تشبه الرسالة التي تلقاها المتلقي الأول. وقرأ درويش قصيدتين قام بترجمتهما عن الفرنسية واحدة تحت عنوان ( قصة حياة حصان) و( لكي ترسم لوحة العصفور).

الدكتور مارتون فالوسي ، ممثل جمعية كتاب هنغاريا، أثنى على طرح كل من درويش والربيعي مشدداً على ضرورة أخذ مسألة اختلاف الثقافات على محمل الجد عند الشروع في الترجمة، حيث تنحصر مهمة المترجم في التقريب بين هذه الثقافات، لكنه أكد كذلك على ضرورة أن يتمتع هذا المترجم بالقدرة على تخليق قصيدة جديدة من القصيدة المراد ترجمتها.

 دور الملتقيات

أما موضوع ارتحال الشعر والشعراء ، فقد أضاء عليه الدكتور جوكو سكيناري رئيس البرلمان الفلندي من خلال استعراضه للدور الكبير الذي تلعبه الملتقيات والمؤتمرات الشعرية في التقريب بين الثقافات، وفي جسر الهوة بين الأنا والآخر وبين الشرق والغرب وفي تساوي الجغرافيا ضارباً مثالًا على ذلك العلاقة الثقافية التي تجمع بين دولة الكويت وبلاده.

من جانب آخر، عرضت الدكتورة زهرة حسين، من جامعة الكويت، لرؤيتها لموضوع الأدب المقارن بأجناسه المختلفة بصفته حقلًا علماً يعاني الكثير من الاشكاليات لا سيما ,انه حقل ليس تخصصياً وعابراً للحدود وليس له خرائط متجاوزاً القوالب الجامدة والتاريخ والجغرافيا والأجناس الأدبية مجتمعة. ودعت الأكاديمية إلى إعادة قراءة تاريخ الأدب العربي وإدخال عناصر عليه ربما كانت مهمشة في السابق، موضحة أن هناك مسعى لادخال الأدب العربي إلى ميدان الأدب العالمي.