تناول المشاركون في الجلسة الثانية من ملتقى (الشعر من أجل التعايش السلمي)، الذي تنظمه مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين في دبي، والتي انعقدت صباح أمس، تحت عنوان (صورة الشرق في الشعر العالمي) وأدارها الدكتور محمد الرميحي، الوجه الآخر الغربي من ثنائية العلاقة التي تجمع بين ضفتي المتوسط، أو كما يقال بين الشرق الغرب، حيث حاولت هذه الجلسات الإجابة على السؤال الشائك الذي يدور حول نظرة الانسان الغربي عموماً، والأدباء والشعراء على وجه الخصوص للشرق بمكوناته المتنوعة والغنية.

 

المستشرقون الجدد

وهذه الصورة النمطية يبدو أنها بدأت تتغير بعد ظهور ما يمكن أن نسميه بالمستشرقين الجدد، الذين شارك عدد لا بأس به منهم في الملتقى وقدموا أوراقاً حاولوا من خلالها تقديم قراءة مختلفة لحضور العربي أو الشرقي في ذهنية الإنسان الغربي والشاعر الغربي، فقد استضافت جلسة صباح أمس من الملتقى ستة باحثين مع أوراقهم البحثية، قادمين من بلدان أوروبية عدة، فضلاً عن ورقة لباحث عربي هو الدكتور وضاح الخطيب، تحت عنوان (الشرق.. نظرة من الداخل).

وقرأ الباحث الانجليزي الدكتور جيم وات، ورقة بعنوان (حضور الشرق في الشعر الانجليزي)، تحدث فيها عن اختلاطات غربية في النظرة إلى الشرق، مستعرضاً تاريخ العلاقة التي جمعت المملكة المتحدة بالشرق بداية من الاستعمار البريطاني للهند، حيث يبين الباحث في ورقته كيف يمكن لعدد من الكتاب الرومانسيين البريطانيين، كالسير وليام جونز، وروبرت ساوثي ولورد بايرون، ولي هانت، التلاقي مع الآخر «المشرقيّ» في أعمالهم.

وتناولت الدكتورة بربارا ميخالاك، في ورقتها التي تحمل عنوان (الابداعات الأدبية العربية كمصدر إلهام للشعراء البولنديين)، تأثيرات الإبداعات الأدبية العربية في مؤلفات الشعراء والكتّاب البولنديين التي ما زالت مستمرة حتى القرن العشرين.. وتذكر الباحثة أن الأدب العربي دخل إلى بولندا بطريقة غير مباشرة، من خلال أوروبا الغربية، وخصوصًا فرنسا وإيطاليا، نتيجة للعلاقات الثقافية النامية التي تربط بولندا بهذين البلدين، وكذلك نتيجة رحلات أبناء بولندا إلى الخارج، واهتمامات المبدعين منهم خاصة.

جان كلود فيلان قرأ ورقة تحت عنوان (العرب والمشرق في الشعر الفرنسي) يبين فيها تأثير الثقافة العربية في الشعر الفرنسي في سياق تبادلات متنوعة تعود بداياتها الأولى إلى عدة قرون. ويخلص الباحث إلى استنتاج مفاده أن الشعر العربي، سجل حضورًا مرموقًا لدى الجمهور الفرنسي. وينبغي في السنوات المقبلة توسيع جمهوره وتأثيره عبر ترجمات وإصدارات أكثر عددًا وبحضور منهجي أكثر في التعليم.

 

غادة شبير تناغم بين الكلمة الشعرية والمغناة في الملتقى

 

تحدث الشاعر عبد العزيز سعود البابطين، في معرض رده على سؤال لـ«البيان»، عقب الحفل الغنائي في الملتقى، الذي أحيته الفنانة غادة شبير وفرقتها الموسيقية، وكان الطبق الرئيس من الأغاني فيها مستمد من قصائد للشاعر عبد العزيز سعود البابطين نفسه، حول المشاعر التي تنتابه عندما يسمع أشعاره مغناة، ويطرب لها الجمهور، فقال إنه يشعر بانعدام الجاذبية الأرضية، وبأنه يصعد إلى القمر محلقا في السماء الواسعة، سابحا في الهواء الطلق، وإنه «يهيم بين ثنايا القصيدة بين مد وجذر، بينما تنتابني مشاعر عارمة مفعمة بالفرح والسرور، وأحس أني أملك كل العالم الذي أعيش فيه، حيث أفقد الشعور بمن حولي، محلقا في بحور المعاني».

كلمات البابطين هذه جاءت عقب الحفل الغنائي الذي شهده اليوم الأول من ملتقى «الشعر من أجل التعايش السلمي»، الذي تنظمه مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في دبي، والذي أحيته الفنانة غادة شبير وفرقتها الموسيقية، التي غنت مجموعة من الأغاني الطربية من مصر ولبنان لفنانين مشهورين، مثل أم كلثوم وفيروز، لكن الطبق الرئيسي من هذه الأغاني، كانت كلماته مستمدة من قصائد للشاعر عبد العزيز سعود البابطين نفسه.

الجمهور الذي غصت به القاعة تمايل طربا مع صوت غادة شبير، التي ظهرت مرتدية «ساري» هندي أصفر اللون، مذهب في بعض أطرافه، وربما سر ذلك الأداء الساحر يكمن في أن الكلمات والأشعار تتحول في أداء هذه الفنانة من مفردات مهاجرة ما بين القلب والعقل، إلى فعل طربي يمد تلك الكلمات بسهوب من المعاني المضافة، لذلك ليس مبالغة القول إن هذا الحفل الغنائي شكل جزءا لا يتجزأ من فعاليات الملتقى، إن لم نقل إنه شكل جزءا؛ ما كان يمكن تصور الحدث الثقافي من دونه، حيث الشعر المغنى والغناء الشاعري صنوان.

أما الفرقة التي صاحبت غادة في غنائها، المكونة من 9 أعضاء، آلاتهم الكمان والعود والناي والدف والتشيلو والبيانو، فقد تمكنت من أن تبرز مقولة الملتقى القائمة على التعايش بين أمم الأرض والحوار مع الآخر، وذلك من خلال الجمع بين آلات موسيقية غربية وشرقية على الخشبة نفسها، ووضعها في خدمة ألحان وأغان شرقية كلاسيكية، مثل: «لما بدا يتثنى» و«لا تعتب عليّي» و«يا حبيبي تعال الحقني» و«عالروزانا» و«اسقنيها» و«يا شادي الألحان» وغيرها.