اختتم مسرح حتا في دبي، مساء اول من امس، عروض مهرجان دبي لمسرح الشباب(5)، بعرض مسرحية (للاطفال فقط)، من تأليف طلال محمود، واخراج مروان عبدالله صالح. وتبدى فيه قوة تركيز حبكة ومفاصل العمل على الانتصار للطفولة والبراءة اما الروب وويلاتها.

تناولت المسرحية حكاية مدرسة تتعرض لقصف بالطيران وينجو من هذا القصف طفلة وطفل، وايضا جندي من الاعداء سقط ركام المدرسة فوق جسده وبقي في مكانه ينازع. و ستمر القصف بعد ان يموت الجندي، فتتقدم دبابة نحو مبنى المدرسة فيما ينحصر الطفلان بانتظار المصير.

عكس العرض صورة لواقع الحروب، والجحيم والدمار الذي تجلبه للابرياء، وخصوصا الاطفال، وبالرغم من ان النص الذي عانى كثيرا من الضعف والسطحية في معالجة موضوعة هي حاضرة برسم الخدمة عبر الفضائيات، وبعد ان اصبحت التغطيات الاعلامية المباشرة شاهدة على تفاصيلها وناقلة لها موقع الحديث، فان العرض حاول ان يجسد شيئا من هذا الواقع، في حلول اخراجية حاول من خلالها المخرج انقاذ ما يمكن انقاذه.

 

حوارات ومؤثرات

يبدأ العرض، وقبل فتح الستارة، بصوت هدير الطائرات، ثم دوي انفجارات، لتفتح الستارة ويتكشف المشهد عن دخان كثيف يتبدد شيئا فشيئا ليصبح المنظر عبارة عن فصل دراسي تناثرت جدرانه وانهار سقفه، ويظهر طفل وهو يحاول البحث عن مكان للخروج، ثم يكتشف انه ليس الوحيد، اذ تخرج طفلة من بين الركان، ليبدآن البحث عن منفذ ينقذهما من هذا الجحيم، ولكن دون جدوى.. فيتبادل الطفلان جملا حوارية حول ما جرى، واخرى يدينان فيها هذا الخراب، ويعبران عن خوفهما.. لكن هذا الرعب وهذا الخوف يتبددان مع مشهد يقوم فيه الطفل بالتبول بجانب الجدار، لتخرج الطفلة من بعد ذلك، وجبتها الغذائية.

 ومن ثم يحدث مشهد تقارب ونوع من الغزل بينهما. ولا يعرف السبب الذي جعل المؤلف يقحم هذا المشهد في ظل الرعب والموت المتوقع، خصوصا وان صوت الانفجارات من حولهما لم يتوقف. ومع محاولات الطفلة والطفل الهرب من الفصل المدمر، تصدر حركة من الجانب الايمن للمسرح، ويظهر على اثرها رأس جندي مصاب، ولا يقوى على النهوض والحركة لوجود صخرة كبيرة سقطت فوقه. يتأوه الجندي الذي ادى شخصيته الفنان حسن يوسف، لفترة طويلة من الوقت، وينادي هذا الجندي بحثا عن منقذ، فيتحرك الطفلان باتجاهه ويدركان انه من الاعداء..

ويحاول الجندي ارسال رسالة عبر جهازه الى الطائرة كي تتوقف عن القصف، ولكن الجهاز يتعطل.. ووسط هذا التصاعد الدرامي البطيء، تحدث مشادات كلامية بين الطفل والجندي حول الاسباب التي دعتهم الى قصف مدرسة آمنة، فيكشف الجندي ان ذلك حدث بالخطأ. لكن نقلة درامية ايضا جاءت سريعة يكشف الجندي للطفلين انه عربي، وانه تغرب عن بلده، ويأتي الاعتراف بأنه من البلدة نفسها التي قصفت. ويموت الجندي ويترك الطفلين وحدهما، حيث تتقدم دبابة من عمق المسرح. ويسدل الستار.

 

تشتت

حاولت لغة الاخراج في ( للاطفال فقط)، ان ترسم ملامح الدمار عبر ديكور واقعي، لكن حركة الطفلين بقيت مشتتة، تتكئ على حركة بطيئة من الطفلين، في امر يطرح المزيد من الاسئلة حول سلوك من يتعرض للخطر في مكان لا زال يقصف وتنهمر من فوقه قذائف الموت، اذ رافق شيء من الهدوء حركة واداء الطفلين، وكان ذلك غير مبرر وسط حالة من الهلع. ايضا كان الخروج من الصف امرا يسيرا لوجود فتحات كبيرة على الطرف الايسر من الديكور، الا ان حركة الطفل كانت باتجاه المكان الاصعب في محاولة البحث عن منفذ، وكان هذا يثير التساؤلات، في ظل الاتكاء على اسلوب واقعي يفترض ان ترافقه حركة وتصرفات واقعية.

وبالرغم من ذلك فان عرض (للاطفال فقط) اراد ان ينتصر لصوت الطفولة في مقابل الحروب والدمار وما تخلفه من موت مجاني للابرياء، وحاول الطفلين توصيل حالاتهما الدرامية على الرغم من امكانات التحريك الضيقة. علامات استفهام

 

طرح عرض (للاطفال فقط) سؤالا كبيرا وعلامات استفهام من قبل عدد كبير من المشاهدين، حول اسباب وصوله الى هذا المستوى الفني، على الرغم من وجود مرون عبدالله في خانة الاخراج وهو مخرج شهد له مهرجان دبي لمسرح الشباب، اعمالا مميزة حصدت جوائز مهمة. الندوة التطبيقية: مغامرة إخراجية لم يخدمها النص

أجمع المسرحيون المشاركون في الندوة التطبيقية المنظمة على هامش عرض مسرحية(للاطفال فقط)، اول من امس، من نقاد ومتابعين ومتذوقين للمسرح، والتي ادارها الفنان حبيب غلوم، اجمعوا على ان المسرحية مثلت مغامرة اخراجية مميزة، ولكن النص لم يخدمها تماما. واشار المشاركون والمتداخلون في الندوة الى ان المشاركين في العرض، وهم :مخرج العمل مروان عبدالله صالح، المؤلف طلال محمود، الممثل حسن يوسف (الاخيران مصنفان ضمن قائمة الاحتراف في العمل المسرحي الشبابي)، لم يقدموا ما هو منتظر منهم في العادة.

حيث لم يكن العرض ضمن المستوى المطلوب نصا، ولم تعالج ثغراته الدرامية إخراجا. وكذلك عملية اختيار الممثلين: الطفلين أصالة وعبدالله، في العرض، شكلت مغامرة غير محسوبة. واكدت الندوة أن المشاهدة الانطباعية الأولى، لا تكفي لتقييم عمل مسرحي متكامل.

 

مشكلة النص

وجه المسرحي غنام غنام، في مداخلته بالندوة( ملاحظة زميل)- كما وصفها- للمؤلف طلال محمود، مبينا أنه كان يتوقع منه تقديم نص بحرفية وإتقان أكثر، وذلك لما يحمله من تجربة تراكمية في مجال الكتابة المسرحية. واعتبر غنام أن النص تضمن العديد من الثغرات الدرامية الأساسية على مستوى المعالجة والربط، بالإضافة إلى مشكلات خلقها النص على مستوى العلاقة بين الطفلين، والتغيرات التفاعلية غير المبررة في الأحداث. واضاف: (أنا أؤمن أن مروان مغامر من الطراز الرفيع، ولكنه كان عليه أن يبادر في معالجة الخلل الذي وقع فيه المؤلف في بناء النص، والاشتغال على الممثلين بصورة أكبر).

وأشار الفنان حبيب غلوم، في مداخلته، الى انه لديه تحفظات عدة على المسرحية الختامية( للاطفال فقط)، ومنها : الطرح المباشر في النص، معتبرا أنها قضية تكرر طرحها في العديد من المسرحيات في الوطن العربي، كما اشار الى ان العنوان لم يخدم الموضوع بشكل جيد، كون الممثلين في المسرحية لا يعتبروا أطفالا وهم أشبه بسن اليافعين، وأن جمهور العمل ليس من الأطفال. وحول التقنيات المستخدمة بالمسرحية، اوضح غلوم ا أنها فقدت قدرة الموازنة النوعية بين الحوار والصمت، مؤكدا أن المشاهد الانطباعية الأولى لا يمكن من خلالها تقييم العمل المسرحي بشكل علمي ومنهجي.

وحول تفاعلات النص، أكد الفنان علاء النعيمي أن عقلية الطفل عند مواجهة صدمة ما، تختلف اختلافا نوعيا لم يتم استثماره بشكل جيد في النص، مشيرا الى أن اقحام مشاهد كوميدية، فقط لإضحاك الجمهور، أبعدته عن الملامسة الفعلية لرسالة المسرحية. وهو ما خلق إشكاليات لم تضبط على مستوى الإخراج. وبين الشاعر قاسم سعودي، أنه عندما نتحدث عن مستوى التمثيل في عمل يحكي عن الحروب، لا يمكن ان نبحث لحظتها عن أهم مفهومين وهما: الصدمة والإحساس. اعتبرهما غائبين لدى الممثلين في العمل. كما أوضح الكاتب إبراهيم الزقي، أن النص جميل، ولكن لم يستطيع الممثلون إيصاله بالصورة المطلوبة، مشيرا الى أن السينوغرافيا، والمتمثلة بالديكور، كانت جميلة، ونقلت مشهد التفاعل، بصورة لامسته شخصيا.

مطر والبدور يتابعان العروض الشبابية باهتمام

على الرغم من إجماع المسرحيين والنقاد والاعلاميين المتابعين لعروض الدورة، على تدني عروضها، نتيجة وجود عدد كبير من المخرجين الشباب الذين يخوضون تجاربهم الاخراجية الاولى، وابتعاد الكثير من النصوص عن هموم الشباب ولغة الشباب، الا انه يمكن ان يحتسب للدورة الخامسة من المهرجان هذا العام اجتذابها لجمهور كبير من المتفرجين، اضافة الى اجتذاب عدد كبير من المسرحيين الرواد والمثقفين والمنتجين محليين وعرب وخليجيين.. وفي الصورة المسرحي جمال مطر والشاعر والسينمائي خالد البدور، خلال انتظار فتح باب مسرح ندوة الثقافة لمشاهدة احد العروض المشاركة بالمهرجان.

ومطر واظب يوميا على متابعة العروض، كما يشير، انه يكتفي بذلك، وكذلك البدور.

وكان حوارا ساخنا يدور بينهما حول المستويات الفنية وضرورة تكثيف التدريب وإقامة الورش لدعم المواهب الشبابية. علي سالم الحتاوي: تعلمت التمثيل في غرفة أبي

مصادفة جميلة نسجها مهرجان دبي لمسرح الشباب(5)، عبر لقاء جمع (البيان) مع علي سالم الحتاوي، الابن الثالث للمسرحي الإماراتي الراحل سالم محمد سالم الحتاوي (1961- 2009)، الذي كتب ما يتجاوز الـ 30 نصاً مسرحياً، شكل عبرها نقلات نوعية في تفاصيل الحركة المسرحية المحلية.

(لم أخبره بأنني سأمثل مسرحياته، فقط كنت أدخل إلى غرفته، وأقرأ النص، وأسعى لتمثيله في البيت مع إخوتي الصغار). هذا ما ابتدرنا به علي الحتاوي، الحديث، في سياق شرحه حول جذر وبذرة التمثيل المسرحي لديه، والتي تشكلت- كما أكد- نتيجة احتكاكه غير المباشر مع عمل والده الراحل. وأوضح علي الحتاوي، أنه كان قام مرة بأداء دور في إحدى مسرحيات والده الراحل، القريبة إلى قلبه، إذ خاطبه والده بعد مشاهدته له في العمل، بجملة-كما يقول- لم ينسها أبدا، وهي: (أنت ممثل خطير)، ليصبح التمثيل بعدها بالنسبة له هاجسا يسعى فعلا إلى تحقيقه. وتابع علي الحتاوي: (أستعد حالياً لخوض تجربة التأليف المسرحي، إيماناً مني بأن الكتابة هي السبيل لاستمرار فكرة المسرح بالدرجة الأولى).

وحصل علي الحتاوي على عدد من الجوائز على مستوى التمثيل، ومنها جائزة أفضل ممثل دور ثان في مهرجان فيلادلفيا الخامس في الأردن، أثناء مشاركته في مسرحية بعنوان (مأساة محرك الدمى) للمخرج محمود أبو العباس، وهي للمسرح الجامعي بجامعة الإمارات، حيث تم عرضها في احدى دورات (أيام الشارقة المسرحية). وقال علي الحتاوي بهذا الشأن: (هنا أردت أن أثبت وجودي، لأن والدي سيكون حاضراً للعرض)، مبيناً أنه بعد العرض صعد والده إلى الخشبة وجلس يحضنه سعيداً بما قدمه.

وتطرق علي إلى علاقته مع أبيه (الراحل سالم الحتاوي) في مجال المسرح، موضحاً أن والده لم يطلب منه أبداً التمثيل في نصوصه المسرحية، بل أراد دائماً أن يسعى علي لذلك بنفسه، ليبقى حب المسرح فكرة يتبناها الابن من ذاته، وأن يستمر بالفعل والتجريب المستمرين فيها.

تجربة التأليف

يفكر علي الحتاوي، حالياً، في دخول عالم التأليف، وذلك كون الكتابة وسيلة تفاعلية، برأيه، إذ إنه يبقى على تواصل مباشر، لهذا الغرض، مع المسرحي عيسى الكايد، صديق والده المقرب.

ويحكي عن ذلك: (كان أبي لا يقدم نصا جديدا للمسرح أو الممثلين، قبل أن يتشاور مع عيسى الكايد الذي هو بالنسبة إلينا، بمكانة الوالد). وبين علي الحتاوي أن مهرجان دبي لمسرح الشباب، عزز لديه أهمية الوعي بثقافة المسرح، والتي أخفق فيها العديد من المشاركين في العروض، كونها أساسا للانطلاق والاستمرارية الفعلية في شتى مساقات الابداع.