مخيمات اللجوء والشتات المغطاة بالضباب والمقيدة بالأسلاك الشائكة وبقصص البؤس والألم والرعب الساكن في النفوس. وكذا غياب الوطن والأحباب، والغربة في العراء والبرد. موضوعات رئيسة شكلت الفضاء الذي أرادته فرقة مسرح الفجيرة، وهي تقدم عرضها (الضباب)، ضمن مسابقة مهرجان دبي لمسرح الشباب( الدورة 5)، اول من امس. وكتب نص ( الضباب) حميد فارس، كاتب مسرحية (العاصفة) التي فازت في الدورة السابقة للمهرجان، بالجائزة الكبرى.
وهذا الفضاء البائس للغربة والتشرد عن الوطن اسس فرجته المسرحية المخرج الشاب عبدالله الرشدي، فيما ادت دور الجدة فيه الفنانة بدور، ودور الزوجة الفنانة رشا العبيدي، والطفلة اشرق سيد التي أدت دور الفتاة الصغيرة، فيما ادى عبدالله الرشدي نفسه. دور الزوج. ووضح ان الجمهور احتفى بالعرض، والممثلون تنافسوا بقوة في اداء ادوارهم.
..الوطن
جاء عرض (الضباب) باللغة العربية الفصحى، ونسج في جمل ودايالوغات ومونولوغات طويلة، لغة لم تخل من الشعر والتنميق. عكست بؤس الحياة في مخيمات الشتات، واستعادت المرارة التي تسكن القاطنين فيها، وادانت المنطق الذي يتسبب في كل هذه الجراح والعذابات للانسان. اسئلة كثيرة تناثرت هنا وهناك كما تناثرت الخرق البالية والخيام على ارضية المسرح: الوطن و الشتات و السلام المزعوم و سراق الاحلام و بطش الاعداء و غياب الرحمة من القلوب و موت الحب و موت الغناء و عداء الاخوة والاصحاب و الاختلاف القاتل وكثير من هذه العناوين والخطابات.
وبرز في (الضباب) تنافس قوي في الاداء التمثيلي بين اربعة ممثلين، كانوا هم نواة العرض الذي بدأ بمشهد قصف شديد بالطيران، وسط صراخ وعويل، ثم تكشف الاضاءة بعد هذا المشهد الذي استغل فيه اقصى عمق على خشبة المسرح، عن خيام مقامة من الملابس والبطانيات البالية واغصان الاشجار، ليبدأ انكشاف خيوط الحكاية: طفلة تغني اغنية لفيروز، ورجل تبدو هيئته من المقاومين اللاجئين. تسأل الفتاة عن ابيها الغائب، فيحار الرجل في الاجابة.
تحلم الصغيرة بأنها ستصبح مغنية شهيرة، وبالدمية التي سيحضرها لها والدها عند قدومه المفاجئ. على الجانب الآخر، عجوز اكلت منها الحرب افراحها، وألقت بها في هذا المخيم. مات زوجها ومات اولادها امام عينيها ففقأتهما كي لا ترى احبابها اشلاء تناثرت في حضنها لحظة هجوم وحشي. وعلى الجانب الآخر ايضا، امرأة شابة، اغتصبها الجنود وتركوا جريمتهم في احشائها، وغريب ملثم. يكشف الرجل المقاوم عما في قلبه للمرأة الشابة، يصارحها بحبه لها، ويدعوها لاعادة بناء الاحلام من جديد في مقاومته للحرب.
ترفضه الزوجة المكلومة التي تنتظر زوجها الذي تركها. تتشابك الخيوط الدرامية، لحين مشهد النهاية، حيث يكشف الغريب الملثم انه الزوج، وانه عاد ليلم شتات اسرته، لكن الزوجة تصده، لأنه تخلى عنها وهرب وتركها لجنود الاعداء ينهشون لحمها. وبعد مشهد ادائي رائع للفنانة رشا العبيدي، وهي توصف لحظة اغتصابها، تنهار وتموت. في الوقت الذي يحتدم الصراع بين اهل المخيم انفسهم، وينتهي المشهد بفاجعة اقتتال الاخوة.
ارادت مسرحية (الضباب) ان تدين الحرب، والشتات، وضياع الانسان، و ان تنقل صورة واقعية للبؤس المتربص بين الخيام، وألمحت الى اختلاف الحوار والنقاش الذي يفضي مجانا الى الموت.
