(الطائر بجناح أبعد منه)، هي الرواية الأولى للأديب الإماراتي ناصر الظاهري، بعد ثلاث مجموعات قصصية صدرت له سابقاً، وبهذه التجربة السردية يكون الكاتب قد تجاوز الشكل القصصي إلى عالم أرحب منه، حيث وصف التجربة الروائية بالباب السحري، الذي لا فكاك منه، مع أنه يفضل تسمية الرواية بـ(الحكاية) في عمله الحالي، حيث يقترب العمل من السيرة الذاتية. يمزج الظاهري بين الصحافة والأدب، كما يكتب القصص، فيما يركز حالياً على كتابة الرواية. التقته (البيان)، وأجرت معه حواراً عن الكتابة والهم الإبداعي والممارسة الصحافية.

 

هم إبداعي

عن سؤال ما إذا كانت الصحافة توجز جهد الكاتب، رد الظاهري أن الصحافة إذا كانت تزود الكاتب بما يجري في الحياة من أحداث، فإنها في الوقت ذاته تشكل عبئا ثقيلا عليه. وبما أن الهم الإبداعي لدى المبدع لا يقترن أبدا بحدود معينة، فقد وجد الظاهري في الرواية ملاذا لقول ما لم تسع الأقصوصة ولا حتى القصة القصيرة قوله أو التعبير من خلاله، فلجأ إلى الرواية بعد تعب وعناء بوصف هذا الجنس الأدبي الأكثر قدرة على تمثيل الذات، تمثيلها لما في الحياة من ألم وعشق وتأمل وترحال نحو الجمهور، والأكثر قدرة على منح المبدع مساحة لا متناهية لقول ما يمكن قوله أو ما لا يراد قوله حتى، فكانت روايته الأولى (الطائر بجناح أبعد منه) والتي فضل أن تكون الرواية/الحكاية ، حكاية ناصر الظاهري نفسه.

 

مساحات النص

يمكن تشبيه مساحة نصه الروائي بخشبة المسرح، حيث تتضافر جميع العناصر من أجل تقديم البنية الجوهرية للرواية. أنه لا يرغب بالحديث عن الحكاية التي تتضمنها الرواية بقدر ما يرغب في الحديث عن الخطاب الروائي الذي تحمله. تحتوي الرواية على عنصرين أساسيين هما، الحكاية وبرج المراقبة، أي المرصد الذي يعكس الشخصيات وقلقها. لأنه يستمع إلى ما تقوله الشخصيات، ويرى خشبة المسرح أي الأمكنة اثناء قيامه بسرد الرواية. هذا ما يطلق عليه الناقد مندوب الكاتب وممثله، وهذا الشخص الموجود في المرصد ينظر إلى الأحداث من زاوية النظر معينة.

ويتم سرد أحداث الرواية من خلال ضمير المتكلم وضمير الغائب. ثم يتحول الراوي إلى احدى شخصيات الرواية أي أنه يسرد نفسه، وعن ذلك يقول الظاهري إن الرواية تزخر بالمواقف الإنسانية، ولحظات القبض على فرح الإنسان وألمه والطيران فوق المدن الكثيرة وغيرها من الأشياء الجميلة في الحياة. وأن الفرق بين كتابته للقصة القصيرة والرواية يعود إلى أن القصة تحتاج إلى تركيز مكثف وفي لحظة معينة، بينما تتطلب الرواية تكريس الذات لها لأن كتابة الرواية يشبه إلى حد ما تشييد بيت. وقد استطاع الظاهري أن يكتب الحدث بواقعية أوهم بها القارئ بأن الأحداث جرت فعلا في الواقع كما قدمها الراوي. وهذا ما يكسب الحدث دفئا خاصا، حيث يستطيع الراوي البدء بالسرد من أية نقطة، وانطلاقا من أية شخصية من الشخصيات من أجل نمو الحكاية وتطورها.

 

ضمير الغائب

حول استطاعة الروائي الوصول إلى الهواجس الداخلية للشخصيات، من خلال تقنيات السرد المختلفة، قال إنه عندما يسرد الروائي الأحداث بضمير الغائب فإنه يكسب الحدث شيئا من الموضوعية. وهو لا يرى المكان بل يرى ذاته عبر هذه الأمكنة. وتتميز الرواية بأنها تنتقل انتقالا سلساً من منطق سردي إلى منطق سردي آخر، ولا يؤثر عدم تسمية الشخصيات، أي أنها لا تحمل أسماء، لأن الروائي يقوم بإيجاز ملامحها الأساسية

. فنرى الشخصية المثقفة، كما نرى أنواع الشخصيات الأخرى من خلال وصف ملامحها

. وهي تقنية عالمية وليست جديدة، لأن عددا من الروائيين يلجؤون إلى وضع حرف بدل اسم الشخصية مثل كافكا، الذي رمز إلى بطله بالحرف " ك" أو إعطائها أرقاما بدلا من أسماء الشخصيات. ويستطرد الظاهري "كان مصير الرواية الأولى التي كتبتها ولم أنشرها قد تبعثرت بين مجاميع قصصية أخرى، وظلت الرواية تدب في ذاكرتي، وتستفزني بين حين وآخر حتى جاء هذا العمل (الطائر بجناح أبعد منه)، حيث استغرقت في كتابتها 7 سنوات متقطعة، حملتها معي إلى بلدان كثيرة، وركبت معي قوارب خشبية، بل وكانت تنام على ركبتي في الطائرات. إنها الرواية التي قمت بنحتها لغويا، يعني كانت بالنسبة لي بمثابة باب سحري لافكاك منه، إذا دخلت إليه لا أخرج منه، والصعوبة تتأتي من أنك تكتب اليوم ثم تترك الرواية وتأتي بعد عامين لتكتب بنفس التوتر".

ويرى الظاهري أن البعض يعتقد أنها حكايته شخصيا، فيما يرى هو أنها قريبة من الكاتب بعيدة عنه كشخصية، وربما تتداخل الأمور فيصبح كل ما هو بعيد قريبا.

لأنه ثمة مواقف تؤكد بأنه موجود فيها، كما هناك تشابهات حصلت بين حياته وبين حياة الشخصيات، فعلى سبيل المثال، يحمل اسم إحدى الشخصيات "ابن عائشة"، كما أن أمه تسمى عائشة، كما توجد في الرواية حادثة البئر التي وقعت له شخصيا، لكن في الرواية يسردها بطريقة مغايرة تماما.

وقد اعتمد الظاهري على تقنية الراوي القرين، والذي قال عنه "أنا أتقدم في العمر وهو يتضاءل حجماً. ويبقى الموضوع هو ليس بعدد السنوات التي أمضيتها في كتابة الرواية بقدر ما هي بعدد المرات التي قرأت فيها الرواية".