تواصلت، اول من امس، عروض مسابقة مهرجان دبي لمسرح الشباب في دورته الخامسة، حيث قدمت فرقة مسرح ابوظبي، مسرحية (رسم حديث)، من تأليف العراقي محسن نصار، وإعداد المسرحي عمر غباش، والتجربة الاخراجية هي للشاب مرتضى جمعة.
سلاح التفاؤل
(رسم حديث) عمل يفتح ستارته على زنزانة يقطنها شخصان: فنان تشكيلي تبدو رسوماته على جدرانها، كاتب يعيش في ركن منها مع اوراقه وحاجياته، ومنها ما يستعمله في جعل نفسه يغوص في وهم وجوده في عوالم حرة . ويصارع التشكيلي حالة من اليأس واللا أمل، وتضارب الافكار حول لوحة يحاول رسمها، لكنه يفقد اختيار الاسلوب، كونه مشتت الذهن، ويقبع عاجزا (قام بأداء الشخصية الفنان عبدالله سعيد)، والكاتب أكلت من اطرافه الشيخوخة، لكنه يدفع شعورا بالتفاؤل والامل من خلال قناعاته التي وظفها للقضاء على ظلمة الحبس وغطرسة الحارس.. يدفع بجمل وحوارات مطولة عن الامل والحياة، عن ضوء القمر الجميل الذي يتسلل من خلف القضبان عبر شباك صغير، ويتحدث عن الشموع التي تبدد سواد الظلمة. ويدفع الكاتب بمزيد من شحنات الامل نحو التشكيلي اليائس، يدعوه في مضمون الجدل بينهما، ليرسم المزيد، ولان يفتح ذراعيه لاشعة القمر المنسابة. ويستمر الجدل، وتستمر فلسفات الاقناع في دفقها، الامر الذي اوقف تطور الاحداث، وتطور الحالات لدى السجينين، جدل مستمر حول الامل واللا أمل. وهو الامر الذي وجد فيه البعض ضعفا كبيرا في النص، الذي لم يحاول على الاقل إعطاء مقدمات لأسباب اعتقال الكاتب والتشكيلي، او السبب الذي دفع بهما الى هذه الزنزانة.
رمزية وتأويل
تمر دقائق العرض دون ان تتحرك الاحداث، إلا حينما يفتح باب الزنزانة ويدخل اثنان من الحرس، ليقتادا الفنان التشكيلي الى مصير مجهول(بدا انهما أخذاه الى الاعدام) . وهنا تأخذ شخصية الكاتب فعلا وحيدا، حينما يكشف عن لوحة غطت ببطانيات وملابس، ويتبين ان التشكيلي رسم سر تشاؤمه ويأسه، حيث تعبر الرسمة الجدارية عن التشكيلي يقتاده اثنان من الحرس..انه المشهد الحي ذاته الذي حدث للتشكيلي الذي اخذ الى المكان، او المصير المجهول.. ويقفل العرض ستارته على هذه النهاية. ويمكن قراءة عدة إشارات رمزية ودلالية فيه، اضافة الى المقولة المكشوفة في هذا النص الذي كتبه محسن نصار وأعده عمر غباش، في مسألة قمع حرية التعبير، كونه اختار في زنزانته كاتبا ورساما، لكن توقف النص عند عرض الحالة فقط، وترك علامات استفهام حول سؤاله النص، وهذه المرة الثانية التي يتكرر فيها غياب الاسئلة في عروض المهرجان.
.. بين السلب والإيجاب
مرتضى جمعة وهو يخوض تجربته الاخراجية، لم يقدم رؤية مغايرة لمعطيات النص، فاجتهد في وضع بيئة العرض (الزنزانة) كما هي في الواقع، ودفع ممثليه الى حركة افقية مستقيمة، وشاب هذه الحركة التكرار. واشتغل على اشعة القمر. ومن اهم النقاط التي تحسب له، اللوحة الجدارية التي جسدت مشهـدا كان حيا،: الحارسان اللذان يجران الرسام خارج الزنزانة. ويمكن القول ان التـعامل مع تجــربة مرتضى كأول تجــربة اخراجية، ستفرض حالة من التعاطف والتــــــغاضي عـن كثير من المطالب، فهذا الشاب سيحتاج مزيدا من التشجيع، لأنه اثبت انه يمتلك بعض الاشارات، ويحتاج الاطلاع وتعلم صناعة فرجة مسرحية حرفية . اما على صـعيد التمثيل، فان الحديث عن الممثل حسن يوســف الذي لعب شخصية الكاتب، سيكون منــــــقوصا في حق ممثل عرفته الخشبة الاماراتية في ادوار كـبيرة.. فحسن يوسف هذه المرة قدم شخصـــية مشغـولة بعناية فائقة، ويحــسب له انه في كثير مـن اللحظات استطاع ان ينــــقذ رتابة النص ومقولاته.وعلى الجانب الآخر احتسبت للفنان عبد الله سعيد شجاعته في تقديم دور الفنان التشكيلي والامساك بناصية شخصية بأبعادها المختلفة خلال اربعة ايام من التدريب فقط.
عرض اليوم
المسرحية: (يا ورد) لفرقة مسرح رأس الخيمة
تأليف: عبد الله إسماعيل
إخراج: مبارك خميس
المكان: مسرح ندوة الثقافة والعلوم في دبي
الساعة : 8.30 مساء
الندوة التطبيقية تطالب الشباب بالنبش في الواقع والنأي عن التغريب
أثارت الندوة التطبيقية، التي اقيمت، على هامش، عرض (رسم حديث)، في ندوة الثقافة والعلوم، في دبي، اسئلة عديدة من قبل جمهور الندوة والضيوف، وكانت مداخلة الفنان القطري غانم السليطي، لاقت من يؤيدها، وهو يتساءل عن الاسباب التي تدفع المسرحيين الشباب الى الهرب من قضايا بيئتهم وواقعهم، وبالذات البيئة الخليجية لاستلهام قضايا واساليب مسرحية بعيدة عنهم. كما عاب على المخرجين اخفاء الممثلين، واللعب في المناطق الخلفية لخشبة المسرح. كما طالب بضرورة ان يقدم الشباب المسرح الاجتماعي الذي هو مطلب الجمهور، وان يعي المسرحي الشاب وهو يعمل، اذواق جمهور الصالة وان لا يعمل منعزلا عنهم. وتداعت المداخلات الى اسئلة ايضا عن غياب هموم الشباب خلال عروض المهرجان، والاغراق في استخدامات المسرح الاسود، والاضاءات المظلمة والضيقة.
ادار الندوة الزميل مرعي الحليان، بحضور الفنان عمر غباش (معد نص -رسم حديث-) ومخرجها مرتضى جمعة.
وكان اول المتداخلين المسرحي السوداني عصام ابوالقاسم الذي اشار الى ان هناك عروضا مسرحية تدفع المتفرج الى الشعور بحالة من الرضى، لكنه لا يستطيع التعبير عنها، واضاف: ( ان عرض اليوم لا اشعر ابدا انه ينتمي الى مسرح العبث، وانما هو تعبيري، لكن هناك اسئلة لابد من الاجابة عليها من المؤلف والمخرج. . اذا يجب اعطاء معلومات اولية عن الشخصيات التي نشاهدها، فالكاتب والرسام اللذان كانا في الزنزانة، لم يكشف لنا العرض اسباب سجنهما. ولم نعرف ما هي جريمة الكاتب). وتابع ابوالقاسم: (اعتقد ان النص خذل المخرج، بالرغم من ان هناك اضاءات تحسب للمخرج في معالجة الحالات. وأتساءل حقيقة عن غياب حساسية الاخراج في التعامل مع ملابس السجن، والاكسسوارات التي تم استخدامها، حيث لا اراها منطقية تماما).
وتحدث عبدالخالق العلي( احد الحضور ): (صحيح ان الامل هو حياتنا، لكنني ارى ان النص جاء بأسلوب مدرسي بحت، ومباشر ولا ينتمي الى العبث، واعتقد ان هناك نقطة تسجل لصالح الممثلين اللذين اديا شخصيتي الكاتب والرسام. ولكن السؤال الاهم، هو في قضية الالقاء، فهناك فرق بين الالقاء المسرحي والعادي، وما سمعناه بعيد عن المسرحي).
واشار الفنان الكويتي عبدالرحمن العقل، الى جملة ملاحظات ومآخذ على عرض (رسم حديث)، ومنها :ضعف الرؤية الاخراجية، استسهال الحركة، الارتباك الذي كان باديا على الممثل. وأشاد العقل في النهاية بأداء الفنان حسن يوسف الذي لعب شخصية الكاتب.
كما لفت طاهر عابد( متابع للعمل)، بالعرض، كونه لعب على ثنائية الامل والمتشائم، وقال: (كان واضحا ان الامل كان عشوائيا، وبقي معزولا، فيما المتشائم على اكثر انفعالا. . فاذا كان هذا القصد، فانا ارى هذا نجاحا لفكرة العرض).
ومن جانبه، بين الشاعر قاسم سعودي، ان عرض رسم حديث لم يأت بجديد، ومقولته مكرورة. بينما اثنى الفنان احمد الجسمي على مداخلة السليطي، ونقاط تأكيده واشاراته، مشددا على ضرورة توجه الشباب الى مواضيع واقعية. واشار ايضا الى ان شباب اليوم ليسوا بحاجة لاستيراد قضايا وهموم، بل لديهم همومهم الكافية التي يمكن تجسيدها فوق خشبة المسرح. كما شارك الفنان حسن رجب، في مداخلة، ركز فيها على قيمة وأهمية حديث السليطي والجسمي، ولكنه عاد ليلفت الى تميز اداء الفنان حسن يوسف ضمن المسرحية. أمين الزرعوني.. طالب هندسة قادته مزحة التقليد إلى الخشبة
( كنت في ورشة للتدريب، وكنت أمازح صديقي مخرج العمل بتقليد شخصية المدرب، وجلس يتفاعل ويضحك على أدائي، ليقترح علي فجأة سؤال: لماذا لا تدخل معنا في المسرحية وتمثل؟ ف-موضوعك بلبن- وتوقعت أنه يقصد شخصية ثانوية أو كومبارس، لأصدم فعليا، بنص وشخصية رئيسية في العمل) هذا ما يقوله الممثل الصاعد أمين الزرعوني (طالب الهندسة المعمارية) أحد المشاركين في مسرحية ( في المسدس رصاصة)، للكاتب جاسم الخراز والمخرج حمد عبدالرزاق، وهو عرض لمسرح الشارقة الوطني، قدم في مهرجان دبي لمسرح الشباب(5)، ووصفته إحدى الصحف المحلية بأنه انتصر لمسرح الشباب. ليلاقي الزرعوني بهذا، وعبر انطلاقة جديدة في عالم المسرح، إعجاب وتشجيع المتخصصين والجمهور في المجال.
واكد لـ (البيان)، في سياق حديثه بهذا الشأن، أنه لم يرسم خطة مسبقا في هذا الخصوص، باتجاه المسار، ولكنه حاليا مستعد في حالة قدم إليه أي نص، لأن يسعى لتقديمه إذا آمن بفكرته وكيفية معالجته.
تردد وقرار
قدم مخرج العمل (في المسدس رصاصة)، حمد عبدالرزاق، دورا للزرعوني، من 15 صفحة، بالتوازي مع الحاجة لمعرفة محتويات النص والشخصيات الأخرى، حيث عبر الزرعوني عن خوفه وتبرمه في قبول العمل وتقديمه، في البداية. ولفت هنا- حسب ما قال في حواره مع (البيان)، الى انه كان كل ما يحاور حمد عبدالرزاق، حول ذلك، ويطلعه على حقيقة كونه غير مستعد، يجيبه المخرج : (موضوعك بلبن)، ويقصد منها أن الأمور ستكون على أكمل وجه. وبين الزرعوني أنه بعد موافقته للمشاركة في العمل، بدأ تدريجيا يشعر بصعوبة الممارسة الفعلية في المسرحية. واضاف: (قررت في كثير من الأحيان، خلال البروفات، أن أطلع المخرج وزملائي، على رغبتي الفعلية بالانسحاب، مقدما مختلف المبررات). ولفت إلى انه اقتنع فعليا، وآمن بالفكرة في الانخراط بعوالم المسرح، بعد لقائه مع مساعد المخرج أحمد ناصر، الذي شجعه كثيرا.
لحظة الإقناع
وبدوره، اكد احمد ناصر، حول قضية التشجيع والعلاقة التي جمعته والزرعوني، أنه سمع كثيرا حول تردد الشاب امين الزرعوني بشأن إكماله لمشاركته في العمل، فقام في يوم بغلق الأبواب، وفتح حوار معه. وبدا سؤاله له: لماذا تريد ترك العمل المسرحي؟ وشرح ناصر تفاصيل هذا الموضوع: ( قدم لي أمين الكثير من المبررات حول تردده وعدم رغبته في الاستمرار، ولكنني لم اقتنع..لأبدأ بعدها بشرح الموضوع له وكيفية معايشته للشخصية، حيث قضينا مدة زمنية تقارب الساعتين لاحتواء الشخصية مجددا، ليخرج بعدها أمين ويقدم نفسه للمجموعة بشكل اكثر إصرار). وهكذا عاد أمين للعمل في للمشاركة في المسرحية، واستمر الثنائي بتبادل التعاون بينهما، إلى أن احتوى أمين الدور وقدمه بحرفية.
المسرح حياة
بين مخرج (في المسدس رصاصة)، احمد ناصر، وبناء على واقع تجربته مع الشاب امين الزرعوني، أن أجواء البروفات تلعب دورا في التأثير على نفسية الممثلين، حيث قامت المجموعة المشاركة في العمل، بتنويع الأداء في البروفات، بين أجواء الكوميديا السوداء، والجدية في أيام. وهو ما ساهم في جعل الممثلين يستمرون ويبتعدون عن أجواء الملل. وتابع : (رسخت، عبر البروفات، ملامح وقاعدة علاقة اجتماعية جميلة بين الممثلين، وطاقم العمل بشكل كامل، وذلك أثناء تجمعنا في أمسيات عشاء أو دردشات خارج نطاق العمل، لنؤمن فعلا أن المسرح هو حياة بحد ذاته).
الشباب يحررون نشرتهم
اليومية
انتظار ولهفة مــــمزوجان بشــغف التعرف على مكنون مستوى الأقلام الــشابة، يميزان فعلياً ما تحـــــظى به، النشــرة اليومية لمهرجان دبـــي لمسرح الشباب (5)، والتي لا تكاد توضـــع وتوزع على الطاولات، في كل يوم، حتى تتسابق الأيدي في تلقفها، فيتصــفح الشباب صورهم ومقالاتهم، ويقرأ بعضــهم عن البعض الآخر، وهم يتناوبون على القفشات في هذا المخاض، فلم يعتد الشباب في المهرجانات الاعتناء بالنشرات، مثل ما هم اليوم في المهرجان، إذ يكتبون مقالات مطولة، ويعبرون بحرية عن آرائهم في المسرح، وحول تجاربهم المسرحية. وتبدى جلياً تفعيل النشرة لثقــــافة الصــورة المسرحية، حيث تفرد صفحات عديدة للصور التي يلتقطها المتدربون في ورشة التصوير.
واختارت ان تحتفي،الثلاثاء الماضي، وفي هذا السياق، بمسرحية (في المسدس رصاصة). كما احتفت النشرة بمقالة كتبها المخرج الشاب محمد الحمادي، متحدثاً فيها عن قلق المغامرة.
وفي لقاء مطول كذلك مع الكاتب الشاب طلال محمود، الذي شـــكل ظاهرة في دورات المهرجان السابقة وفي الدورة الحالية، حيث يعتبر من المؤلفين الشباب الذين يمتازون بغزارة الإنتاج، ونفذت له العديد من الفرق نصوصاً مسرحية، سواء لمـسرح الكــــبار أم للمسرح الموجه للأطفال.
كما يكتب المسرحي والإعلامي جمال مطر مقالة في النشرة، حول أحلام المسرح الأولى.
