شكّلت أشجار الزيتون وانعكاسات الحضارات الشرقية، العنصر الرمزي لمواضيع لوحات معرض (فن من فلسطين)، الذي افتتح مساء أول أمس في غاليري (ميم) بمنطقة القوز في دبي، بحضور الفنانين المخضرمين الثلاثة المشاركين بالمعرض:نبيل عناني، وتيسير بركات وسليمان منصور، والذين قدموا من رام الله والقدس، ليدخلوا في حوار مفتوح مع المعنيين بالشأن الفني والزوار.

يعود الزائر مع أعمال تيسير بركات، إلى تاريخ الحضارات الشرقية القديمة، كالآشورية والبابلية والفرعونية، برؤية تأملية معاصرة للواقع، عبر مفهوم صراع البقاء وثقافة الموت والحصار وازدواجية المفاهيم. وجسّد الفنان رؤيته بأسلوب وتقنيات تحمل عبق التاريخ القديم، فكل لوحة من أعماله ذات الألوان الترابية، والتي أطرها عبر ألوانه بما يشبه تقنية الفسيفساء، تضم مجموعة شخوص مختزلة بأسلوب رسومات الإنسان القديم، بألوان الفحم على خلفية من ألوان الأكريليك، لينقل مجموعات شخوصه من إيقاع إلى آخر مع كل لوحة. وتبدو شخوصه كأنها رسمت قبل ألف عام أو أكثر، ليتملكه الانطباع بأنه لدى ملامسة هذه الشخوص سينتقل سواد الفحم إلى أصابعه.

كما استطاع بركات بتقنياته نقل تأثيرات عوامل الزمن، مما يدفع بالمشاهد إلى التمعن في تفاصيل كل لوحة، والتأكد بتمرير أصابع يده مرة أخرى على مربعات الإطار للتيقن أنها رسماً وليست قطعاً مركبة من الفسيفساء!

 

مرآة الزيتون

ينتقل المشاهد مع أشجار الزيتون، إلى عالمين متشابهين في الفكر ومختلفين، سواء بالطرح أو الأسلوب، ليجد نفسه في عالم نبيل عناني، بين حشود بشرية وجدران حصار تفصل بينهم وبين أشجار زيتونهم ومدينتهم. ويذهب مع كل لوحة إلى حالة مختلفة، بين جماليات حقول الزيتون المترامية على مد البصر، وفجر الذاهبين في موسم القطاف وهم يودعون أسرهم كالمغادرين إلى الموت بأكفانهم، أمام تصدي العدو لهم ليحول دونهم والتقاط رزقهم الذي يشكل عصب حياتهم. واعتمد عناني في كل لوحة اسلوباً مختلفاً سواء في التكوين أو الألوان بما يتماشى وموضوعها.

وأما سليمان منصور، فيركز في لوحاته على حقول الزيتون بأسلوب مقارب للواقعية، ليعكس رؤيته للحصار من خلال الحقول المسورة المعزولة عن البشرية التي تعلوها أبراج المراقبة. وتحمل كل لوحة جماليات تختلف عن الأخرى، والتي تمحورت بالمجمل حول طبيعة الأرض والأشجار بخصوصية بقائها، لتبدو كالمتاهة من خلال حواجز الجدران الحجرية الواطئة المتداخلة، بغرض حمايتها من الانجراف مع سيول الأمطار على المنحدرات.

 

تواصل هادئ

 

يكمن تميز المعرض الذي يستمر حتى 5 نوفمبر المقبل، بأعمال الفنانين الرصينة التي عكست مهارات وقدرات كل منهم، حيث يتملك الزائر لحظة دخوله المعرض شعورٌ بانتقاله من تفاصيل عالمه اليومي، إلى عالم من الهدوء في رحاب لوحات تعيده إلى التواصل مع نفسه، ليذهب مع كل فنان في رحلة تختلف عن الأخرى.