«الغرفة» عنوان العرض المسرحي الذي قدمه، اول من امس، مسرح الشباب للفنون، في مسابقة مهرجان دبي لمسرح الشباب (الدورة 5)، على خشبة مسرح ندوة الثقافة والعلوم بدبي، حيث اتسمت (الغرفة) بتجسدها كفرجة عبثية، وفيها تاهت وضاعت مفاتيح الاسئلة في النص، فبدت مفقودة.
والعمل من تأليف طلال محمود، وهو يمثل التجربة الاخراجية الاولى للشاب عمر طاهر التميمي. وتميز العرض باحتدام سردية النص باللعبة العبثية التي اتكأت عليها فرجته المسرحية، وبين مسرح اللامعقول وبين واقعية النص، وكانت هناك مساحة حرة للمغامرة كما ارادها طاهر، عبر خمسة ممثلين وجوقة موسيقية.
اعترافات وذكريات
بدأ العرض ببقعة ضوء وشاب تغطيه قطعة قماش بيضاء، يبحث عن اتجاه معين في غرفة مظلمة، يبحث في داخله عن سجونه التي تكبله بالسلاسل، ويبحث عن مفتاح الغرفة التي ارادها والده سجنا له..ان العقاب الذي لم يجب عليه النص حتى النهاية. وتتشظى شخصية الشاب وهو يغور في ذكرياته واعترافاته الداخلية، فتتولد ثلاث شخصيات، وهي: خطاياه، وجوهه، اقنعته. فتتصارع الشخصيات دافعة بمزيد من التأزم للشخصية الرئيسية التي لعبها الممثل عبدالله الحريبي. لتبدأ سيرة تلك الاعترافات في عتمة الغرفة، وامام السلاسل المتدلية من الاعلى الى الاسفل، كان مناسبا جدا واقع ربط الاشارات والدلالات والنسج في هيكلية تناغم مع حركة الممثلين وأدائهم.
سردية متقنة
يعترف الشاب السجين بخطاياه، ويفندها واحدة تلو الاخرى.. وفي كلمة يسأل عن المفتاح الذي ينهي حصاره. وقبيل النهاية، يدخل الاب ليصر على مصير ابنه بتلك الظلمة، ثم تنهمر رزمة المفاتيح من سقف المسرح ، وسط صراخ الابن. وينتهي العرض عند هذه النقطة بالذات.. تاركا مساحة من الاسئلة. ولكنها ليست اسئلة نص يراوغ الحكاية ويحفزها، وانما اسئلة التلقي الحقيقية.. ماذا اراد ان يقول هذا العرض؟ اذا كان الفرج سيأتي من السماء وهي مسلمة المسلمات.
وبذا نجد انه سار النص في سرد تقريري، عابه التكرار في ترديد الكلمات واعادتها، وغاب الفعل وهو اساس الدراما ومحركاتها.. لم تحدث المقابلات والتضادات. ومن هنا بدا العرض وكأنه ينغلق على ذاته. وعلى الجانب الآخر كانت الاضاءة هي الاخرى تخفي الوجوه وتقطع الرؤية، ولأن الفضاء فضاء غرفة، فان مصادر الضوء لم تكن من الخارج، وانما اضاءات في تلك النفس المتأزمة. لكنها لم تتكئ على هذه الدلالة كذلك.. وبدا الكثير من التشديت في ظلمة حالكة. لكن مع هذا كانت هناك مساع جادة من الممثلين على امتلاك ايقاع العرض والمحافظة عليه. وكان واضحا وجود جهود مضنية امام جمل ثابتة لا تتحرك الا منعزلة.
والفرقة الموسيقية التي ادت مقطوعات حية رافقت اداء الممثلين، كانت غائبة في العمق وتحت ساتر الظلام، الا من بعض لمحات ضوء، لكن بقيت مكانها، وكأن لا لزوم لها.
وربما يبرر العبث اشياء كثيرة في النمط الحركي وفي كثير من حالات التجريد، ولكنه لا يبرر السؤال الناقص في النص الذي سحب معه كل شيء. سنتفق او نختلف حول عرض الغرفة للمخرج عمر طاهر والكاتب طلال محمود.. ولكن هناك امرا واحدا يجعل حضور الاسئلة منطقيا، فماذا اراد ذلك السجن ان يقول، سوى انه سجن؟
ويمكن القول ان عرض الغرفة يقدم ممثلين واعدين، وكذلك مخرجا مهما، وذلك لو اتحيت لهم فرصة اقرب الى الواقع، فالذهاب الى فرجة عبثية يتطلب مزيدا من ادراك ما تعنيه السيمياء المسرحية. فهي تشابك الدلالات والرموز في نسيج واحد لا يصيبه الخلل ابدا ولا يتشظى بمجانية غير مدروسة.. وتحسب لعمر طاهر مغامرة اولى وللممثلين تجربة مسرحية.. ولكن الاسئلة تشرع ابوابها حول ماهية وطبيعة ما اراد النص الوصول اليه.
