استحوذ عرض (في المسدس رصاصة) على إعجاب جمهور مهرجان دبي لمسرح الشباب، في دورته الخامسة، أول من أمس، حيث تناغمت فيه ثلاثية النص والفرجة والأداء، من خلال كوميديا نبشت في أتون الصراع الطبقي، كما حظي العرض بإعجاب النقاد، وتصفيق الجمهور وتجاوبه، كما اكتظت معه خشبة المسرح بالمباركين والمهنئين، الذين راحوا يشدون على أيدي الثلاثي جاسم الخراز ورائد الدالاتي وأمين الزرعوني، الذين قدموا سيمفونية متناغمة من الأداء المسرحي المتمكن، استطاعوا من خلالها إشعال صالة المتفرجين بالتفاعل والتجاوب، كما استحق عرض (في المسدس رصاصة) من تأليف جاسم الخراز ومن إخراج حمد عبدالرزاق وإنتاج مسرح الشارقة الوطني، لقب عرض المحترفين.

 مخزن مهجور

العرض الذي نال الإعجاب، من خلال معالجته الإخراجية المتمكنة، أخذ نصه يغوص بذكاء شديد في أعماق الشخصيات الثلاث، ويرسل إشارات ودلالات متشابكة إلى الواقع المعاش، عبر ثلاث شخصيات تلتقي في مخزن مهجور، كل منها يعبر عن طبقة، ناجي عبدالباقي المواطن البسيط الكادح، الذي يلهث وراء فرصة عمل، والذي يتجاذب الشجار مع زوجته التي لا تجد بداً في النهاية من تطليقه ورميه في الشارع، وصابر عبدالرزاق، الأكاديمي الذي أمضى حياته بين ثنايا الكتب في سبيل تثقيف نفسه، وانهمك في العمل بحثا عن النجاح، لكنه يجد من يسرق جهوده في تراتبية الأدوار والسلطات، فهو مثقف وأكاديمي مسلوب الإرادة، وعامر الغني، رجل الأعمال الغني الذي هوى من برجه العاجي، بعد أن خسر في التعاملات المالية. الثلاثة وجدوا أنفسهم بلا موعد في ذلك المخزن المهجور كل منهم يحمل نية التخلص من حياته عن طريق (الانتحار).

في نص المسرحية، جدل أزلي بين الطبقات الثلاث، فالفقير يرى في المثقف الأكاديمي رجلا متعاليا، فيما يرى الأول في هذا البسيط رجلا جاهلا، ويتخذ الاثنان من الثالث الغن ي موقفا، كونه المتسلط وقاطع أرزاقهم. وفي بحر هذا الجدل يكشف نص (في المسدس رصاصة) عن إرهاصات اجتماعية وطبقية واقتصادية يعانيها المواطن العربي، أينما كان، في ظل ظروف قاسية لا تعرف الرحمة. حيث يعترف المثقف أنه وفي طريقه لتحقيق أحلامه تناسى أمه المريضة وهي في حاجة إلى قربه، فرحلت عن الدنيا دون أن يودعها.

 بيئة مفتوحة

المخرج حمد عبدالزراق أراد لهذا الجدل الثلاثي بيئة مفتوحة، وفضاء مغايرا، مخزناً لأجهزة التلفزيون، وأجهزة فيديو وشاشات تتناثر هنا وهناك، وحديداً قاسياً مثل قسوة الحياة على الإنسان، تفرض عليه سجنا مدمرا، هذا الفضاء أتاح من خلاله المخرج فرصة كبيرة للنظر إلى الفرجة من زوايا ومستويات مختلفة، فنجح المخرج كثيرا حينما جعل مكان العرض مهيئا لمثل هذا الجدل.

 أما جاسم الخراز المؤلف والممثل، فصاغ سيمفونية من الأداء التمثيلي المتقن، استطاع من خلالها أن يضبط إيقاع صالة المتفرجين على تلوناته وإيقاعات أدائه، فأضحك وأدهش وأبكى، فكان نجم العرض بلا منازع، وكذلك رائد الدالاتي التي فعلت قفشاته الذكية فعلها السحري في إيقاع العرض وتفاعل الجمهور، وكان على أمين الزرعوني أن يجاري هذين العملاقين وهو يوقع علاقته الأولى مع خشبة المسرح، في أول دور يلعبه، وكان له ذلك.