يواصل مسرح اسكوتلندا الوطني، وبقيادة المخرج المتألق جون تيفاني، عروض بروفات التحضير والإعداد المسرحي، للرواية الأولى التي ألفها الكاتب أندرو أوهاغن، والتي نشرت في عام 1994 تحت عنوان «المفقودون»، وتتحدث عن رحلات يقوم بها صحافي اسكتلندي في محاولة لاقتفاء أثر أشخاص دفنوا تحت طيات المجتمع دون أن يلحظهم أحد، حيث تتركز، وكما اشارت صحيفة الغارديان البريطانية، كصيغة تأملية انسانية تزاوج بين روحية حبكة الرواية والمسرح، في قالب عرض مشوق.
وألقت الصحيفة، في تقرير نشرته أخيراً، الضوء على ذلك العرض المسرحي، حيث وصفت الكتاب الذي استمدت منه أحداث المسرحية بالعمل الذي يأسر العقول ويصعب حصره بأسلوب أدبي معين. ويبحث الكتاب، وهو في جزء منه عبارة عن سيرة تأملية وفي الجزء الآخر تحقيق صحافي اجتماعي، في ظاهرة الأشخاص الذين حرموا من العودة إلى منازلهم، ولم يقم أحد بالإبلاغ عن اختفائهم.
وتم الإعداد للمسرحية، على يد أوهاغن، في سبيل إحياء ذكرى أولئك الأشخاص. وتتبدى في عروض العمل، وبوضوح، كلمات الكاتب وهي تقال بصوت عال على خشبة المسرح، إذ تحدث صدمة شبيهة بتلك التي شعر بها أوهاغن عندما عمد أحد كبار ضباط الشرطة إلى التقليل من شأن ضحايا جرائم السفاح فريد ويست وزوجته روزماري، من خلال وصفهم ب(المستباحين).
وعلى امتداد العرض، تبدو التفاصيل الصغيرة أكثر إثارة للمشاعر، بما في ذلك جثة المرأة المجهولة التي تظهر طافية على سطح مياه نهر التايمز وفي جيبها زوج من أحذية الأطفال، والوالد الحزين على فراق ابنه الذي اختفى في مدينة الجرف البرتغالية، ما دفعه إلى بذل قصارى جهده لدراسة قاموس برتغالي، على أمل أن يتمكن من إجراء محادثة مع ابنه عند عودته. ويعرف هذا الأب أوهاغن، أو بمعنى أدق أوهاغن الشاب، والذي يجسد شخصيته في المسرحية جو مكفادن، إلى المفهوم البرتغالي «ساوداد»، الذي لا يوجد تعبير مقابل له باللغة الإنجليزية، ولكنه يشير إلى التوق الذي يخلفه غياب شخص ما.
وربما يتجلى ذلك المعنى في أصوات شخصيات المسرحية، التي وزعت أدوارها على فرقة من ستة ممثلين، بصرف النظر عن مظهرهم أو جنسهم، إلى درجة أن الممثل برايان بتيفير، وفي أحد المشاهد، يتحدث بصوت أنثوي عندما يشير إلى نفسه :«إن امرأة في عمري...».
ويتمتع العرض، الذي يتم أداؤه أمام ستار إلكتروني عملاق يعرض صوراً متنوعة، بجمال قاس يبعث على القلق. كما تولد الرقصات البطيئة والمدروسة التي صممها إيموغن نايت شعورا بالأرواح التائهة والمسجونة في عالم النسيان.
