قال الدكتور صالح هويدي على انه بالرغم من وجود روائيين كبار على مستوى الوطن العربي لهم تجارب روائية مهمة جدا، الا ان ايا منهم لم يشكل ظاهرة، كما فعل الروائي العربي الراحل نجيب محفوظ،(1911 - 2006 ) واضاف: ان الفريد والمدهش عند هذا الروائي انه الوحيد الذي خرج من آسر المشروع الروائي الواحد، فمحفوظ طوال مسيرته الروائية استمر في الانقلاب على اساليبه، وبذلك شكل ظاهرة تستحق العناية والاهتمام والتأمل.

واكد هويدي ان الاعمال التعبيرية لمحفوظ هي الانضج والاهم. جاء ذلك خلال المحاضرة التي القاها اول من امس في اتحاد كتاب وادباء الامارات تناول فيها موضوع «الكاتب الروائي العالمي نجيب محفوظ كظاهرة»، مشيرا الى انه لا يضيف شيئا الى ما قيل عن هذا الروائي الكبير، لكنه يتلمس من هذا التقصي في ادب محفوظ ان يحفز ذلك الكتاب والروائيين والمبدعين الشباب، او من هم يحاولون السير في الطريق ذاته.. وذكر د. هويدي انه يعاني الحرج حينما يتناول الحديث عن هذه القامة الروائية، لأن الحديث حولها يوقع بمطب الاحتفاء او النمذجة، وهما لا يستقيمان والنقد مهما كانت اهمية المبدع ومكانته، لأن النمذجة تحيط المبدع بهالة كبيرة، فيما ان لكل كاتب مناطق نجاح ومناطق اخفاقات.

وتحدث د. هويدي عن الالقاب الجزافية التي اطلقت على محفوظ ومنها (قيصر الرواية) و(سيد الكتاب) و(ملك الرواية بلا منازع)!، وقال: ان محفوظ يستحق القابا كبيرة لكن يفترض ان تكون القابا نقدية لا القابا بطولية، او القابا انطباعية راج منها الكثير من الصحافة، وهي بعيدة كل البعد عن التناول النقدي الفني.

 

رمزية

واشار هويدي الى ان محفوظ في حياته وابداعه قد حقق مجدا وتقاليد ربما يندر ان يحققه روائيون اخرون، فهذا الرجل ظل يكتب الى آخر مراحل شيخوخته، وحتى فقد السمع. ورجل مثل هذا وفي هذه السن ويصر على الكتابة في مواعيد موقوتة، لهو امر فريد من نوعه. لم يكن روائيا عاديا، كان يمتلك حسا ذكيا واستشرافا مستقبليا، حيث بدأ بكتابة الرواية التاريخية وكان قارئا وعارفا بمسيرة الرواية الاوروبية وآخر صرعاتها ولا سيما الادب الفرنسي، لكن ومع هذا فقد اختط له طريقا رآه مناسبا له، فكتب الرواية التاريخية التي اراد..(رادوبيس)، (كفاح طيبة)، (عبث الاقدار) ثم نجده قد فقد الرغبة في ذلك.. وكأنه كان يكتب تلك الروايات ليجاري هموم المصريين، محاولا استثارتهم ضد الاستعمار، وهذا يبدو واضحا حينما توقف عن كتابة هذا النوع من الرواية التاريخية بعدما حققت ثورة يوليو اهدافها.

ثم انتقل محفوظ الى المرحلة الواقعية كتب (القاهرة الجديدة) لكنه لم يستمر في هذا الاتجاه فسرعان ما تركه الى المرحلة الاخرى والتي اختلف عليها النقاد، فمنهم من اطلق عليها المرحلة التعبيرية، او التشكيلية، او الرمزية فكانت روايات (اللص والكلاب) وهي ليست قصة لص عادي ولا كلاب عادية، وانما ذهب بها محفوظ الى الرمزية والحديث عن عبث الحياة..

وتعرض د. هويدي في محاضرته الى الامر الذي دفع الى منح محفوظ جائزة نوبل العالمية، عن انجاز يراه هويدي لم يذهب الى مكانه الصحيح في ادب هذا الروائي العظيم، معتبرا ان هذا المنح قام على مسببات ارادها الغرب لتحقيق اغراض واهداف معينة..

وقال هويدي: تشكل الثلاثية (قصر الشوق، وبين القصرين والاعظمية) لدى المصريين علامة مهمة وهم يرون كاتبهم يسجل تاريخهم ويعبر عن تفاصيل حياتهم واتجاهاتهم وارهاصاتهم، فليس هناك اصدق من الثلاثية في تصوير مراحل تطور ونضال الشعب المصري وتصوير تعاقب الاجيال المصرية ونمذجة الشخصية المصرية.. لكني حينما انظر الى المسألة من زاوية نقدية بحتة لا اجد مرحلته الواقعية هي الاهم في فكر وفلسفته محفوظ، وانما اراها في مرحلته التعبيرية، حينما كتب اللص والكلاب، وميرمار والشحات ورواية الطريق.. فهذه الاعمال هي التي عكست عمقه الفكري واجدها مضمخة بفلسفته ووعيه العلمي والانساني. وبالنسبة لي ان هذه المرحلة هي الاهم.

وختم هويدي محاضرته بالقول: ان محفوظ ظل امينا على فكره، ولا يمكننا ان نحسم هذا الفكر على اي جهة يميل، واعتقد انه ظل مؤرقا بالاسئلة في تجاذب الدين والعلم لديه.