اكتملت أمس ثلاثة عقود من الزمن على وصول لوحة (الجيرنيكا) إلى موطنها الأصلي في إسبانيا، بعد بقائها نصف قرن من الزمن في المهجر، وبعد أن كان سقوط فرانكو وترسيخ الديمقراطية قد مهدا الطريق أمام أحد أروع الأعمال الفنية في القرن العشرين والرمز العالمي لأهوال الحرب للعودة إلى بلده الأصلي تجسيدا لرغبة رسامها الاسباني بابلو بيكاسو ، إثر مفاوضات طويلة وعسيرة.
متحف نيويورك للفن الحديث، الذي احتضن اللوحة لأكثر من 30 عاما نزولا عند رغبة بيكاسو أيضا، بعد أن عرضت في باريس عام 1937، لم يتلق طلب الحكومة الاسبانية بحماس لما يعني ذلك من خسارة كبرى لزواره، لكن هذا الطلب تمكن من إثبات ملكية اللوحة بفضل وصل استلام قيمته 150 ألف فرانك دفعت للرسام.
لكن هذا العائق لم يكن الوحيد الذي كان يجب تخطيه، ذلك أن إحدى بنات بيكاسو وتدعى مايا أبدت تحفظها حيال رحلة العودة بحجة أن الديمقراطية في اسبانيا كانت فتية فضلا عن أن النظام الذي يحكم البلاد هو نظام ملكي وليس جمهوري كما كان يرغب والدها ، ولذلك كانت تعتقد أن الديمقراطية لم تكن قد هيأت بعد الظرف الملائم لعودة لوحة ذات مضمون سياسي بهذا الحجم، وقد دامت حالة الجدل والنقاش هذه على مدار عشرات السنين، وذلك ارتباطا بالوضع السياسي الداخلي في اسبانيا.
عملية نقل (الجيرنيكا) إلى مدريد تمت في 10 سبتمبر 1981 وذلك في ظروف سرية تماما، فضلا عن انقطاع التيار الكهربائي الذي تعرضت له مدينة نيويورك يوم نقل اللوحة إلى المطار، علما بأن صحيفة (أساهي شيمبون) اليابانية أبدت استعدادها لدفع كافة تكاليف نقل اللوحة إذا حطت هذه في مدينة هيروشيما لبعض الوقت.
أما في اسبانيا نفسها، فهناك عدة مدن مثل ملقة وبرشلونة وجيرنيكا نفسها قد بذلت قصارى جهدها من أجل استضافة اللوحة، لكن هذه استقرت في مبنى تابع لمتحف برادو) يدعى (الكاسون ديل بوين ريتيرو) تجسيدا لرغبة الفنان أيضا، على الرغم من أنه لم يعبر كتابة عن تلك الرغبة قط، بيد أن هذه لم تكن الوجهة النهائية للوحة، فلم تبق هناك لأكثر من 11 عاما خلف زجاج مصفح خوفا من تعرضها لأي اعتداء. ومن ثم جاءت الرغبة في تعزيز نمو متحف الملكة صوفيا الذي كان قد تم انشاؤه في مدريد حديثا، 1990، تسبب برحلة جديدة للوحة الزيتية، التي انتقلت إليه في يوليو 1992، مشكلة العمود الفقري لمجموعته الدائمة.
