ملأ كمال صليبي الدنيا بنظريته «التوراة أتت من جزيرة العرب» وشغل الناس. تحمس الكثيرون لنظريته بسبب دوافع إيديولوجية ورغبات صادقة في دحض الرواية اليهودية لتاريخ المنطقة منذ ما قبل العصر الحديدي وحتى العصر الهلنستي. ولكن هذه النظرية اللافتة، وعلى الرغم من الذخيرة المعرفية التي يمتلكها الدكتور صليبي كانت تفتقر إلى عنصر أساسي في البحث التاريخي المعاصر وهو الإسناد الآثاري، فهو يقف من الناحية العلمية والمنهجية على قدم المساواة مع خصومه أتباع النظرية التي يحاول أن ينفيها، لأن النفي هنا ليس لجوهر النظرية بل لموقعها الجغرافي، ولذلك فهو بشكل أو بآخر يؤمن بالرواية التوراتية ـ الصهيونية ولكن ليس على أرض فلسطين بل في الجزيرة العربية.

هذا الخلل يجعل الدكتور صليبي ونظريته، من الناحية العلمية في الموقع نفسه الذي يقف فيه خصومه، ولعمري هذا مقتل كبير من مقاتل هذه النظرية. فلا يكفي تحليل الأسماء المناطق والقبائل ومقارنتها مع معاصرة في شبه الجزيرة العربية لبناء هرم نظري صلب يمكن من خلاله الرد على النظرية الصهيونية ـ التوراتية لتاريخ المنطقة والعالم؟ وحتى المؤرخون الصهاينة الجدد باتوا ينفون النظرية التوراتية من أساسها ويعدونها أساطير وخرافات لا ترقى الى مستوى الوقائع التاريخية. ولذلك يبدو أن نظرية البروفيسور كمال صليبي قد بطلت من الناحية العلمية مع انتهاء المسح الآثاري الذي قام به علماء الآثار الجدد أمثال فنكلشتاين وكوخافي وأفيني سلبرمان وغيرهم.

والذين نفوا جميع الوقائع التاريخية الواردة في الكتاب المقدس، وشككوا بتاريخية الكثير من الشخصيات التي تعد مسلمات لدى الكثيرين. ولكن ما الذي يجعل نظرية البروفيسور كمال صليبي مغرية للكثير من الباحثين العرب حتى هذه اللحظة؟ سؤال ربما يجد جوابه في كسل الآثاريين العرب، وعجزهم عن تأسيس أساس نظري يدعم الكثير من الوقائع التاريخية الموجودة في آثار بلادنا، واعتمادهم على ما ينتجه الآخرون، وللحق فإن جهود البروفيسور صليبي لا تضاهيها جهود باحث آخر على الرغم من تهاوي أساسات نظريته بفعل التقادم.

علم الآثار العربي بحاجة إلى جهود كبيرة تخرج به من موقع العالة على ما ينتجه الآخرون إلى موقع صاحب وجهة النظر التي يستفيد منها الآخرون، والغريب أن الكثير من المعطيات الآثارية العربية في بلاد الشام والعراق والجزيرة بحاجة إلى مزيد من الجهود لصياغة نظرية متكاملة تتعلق بالكثير مما يروى على أنه سفر تكوين للمنطقة والعالم. علماً أن عناصر هذا السفر موجودة في الكثير من النقوش والنصوص المحفوظة في العراء أو بين دفوف الكتب القديمة.

كمال صليبي قام بما عليه أن يقوم به في حدود معارف وكشوف وقته، ولكن منذ أن أطلق نظريته حصلت كشوف كبرى على صعيد الآثار العربية، من شأنها أن تعيد النظر بجميع المسلمات التي تم التعاطي معها في الفترة السابقة على أنها مسلمات. بالإضافة الى ذلك لابد من قراءة جديدة وصحيحة للنقوش الآشورية والنبطية والثمودية واللحيانية والصفائية والعربية الجاهلية.