شهد عيد الفطر هذا العام موسما مسرحيا شبيه ما حصل في العام الماضي، حينما غزت ست مسرحيات محلية وخليجية خشبات المسرح لتشكل تظاهرة فنية شهدها جمهور غفير. ففي هذا العام تموقعت سبع مسرحيات في انحاء متفرقة من الدولة، وحققت اقبالا كبيرا، بالرغم من ان أغلبها قد رفع قيمة تذكرة الدخول، الامر الذي يعكس مدى رغبة الناس في التعاطي مع الفن المسرحي كبوابة للفرجة ومعايشة الاحداث والولوج الى مواضيع تحتاج الى اعادة وتجسيد وتأمل، وربما السخرية منها وعليها، كونها واقعا نافرا او غير مرغوب فيه، وهو الامر الذي بدأ في اغلب عروض العيد التي لامست هموم الواقع العربي والمحلي ولم تبتعد عنه.
مسرحية الاطفال (هوم الون) فتحت عروضا خلال عطلة العيد في العاصمة ابوظبي، فيما استقبلت مسرحية (زلقة زلقة) جمهورها على مسرح المدرسة الهندية ومع نخبة من نجوم الدراما من البحرين والكويت والامارات، فيما تكثف حضور الجمهور في مسرحية (غريب زنقة زنقة) على مسرح قصر الثقافة بالشارقة، وتزامن ذلك مع عروض مسرحية (عائلة نص كوم) بطولة بدرية احمد وبلال عبدالله على مسرح المركز الثقافي في رأس الخيمة، وقدم المخرج سالم العيان مسرحيته (حيسه وعفيسة) في الفجيرة، كما قدمت الفرقة الكويتية مسرحية ( هروج والثوب العجيب) على مسرح المركز الثقافي في مدينة خورفكان.
فرقة مسرح كلباء هي الاخرى قدمت خلال اجازة العيد مسرحية (عيلة فاصلة) تأليف الكاتب جمعة علي ومن اخراج الفنان عبدالرحمن الملا، وتعد هذه المسرحية هي الاكثر عروضا في فترة العيد، حيث عرضت خمسة عروض مكتملة الحضور من الجمهور، وشارك فيها نخبة من الممثلين من امثال جمال السميطي وبدور والفنان عبدالرحمن الملا، وناجي جمعة، بالاضافة الى الشاب احمد اسماعيل وعادل سبيت وهالة وملاك ومجموعة واعدة من شباب فرقة مسرح كلباء..
المسرحية تناولت عدة قضايا اجتماعية، وركزت على خلل التركيبة السكانية، وعلى بعض السلوكيات الفردية السلبية، واعتمدت المسرحية على المفارقات والمواقف الكوميدية التي جذبت تفاعل الجماهير. كما بدأ الممثلون اكثر تألقا في صناعة فرجة قائمة على الاداءات الفردية والجماعية، ولم تخل المسرحية كذلك من بعض الاستعراضات الغنائية الراقصة والمواجهات بين الفن الوافد والفن المحلي..
وكما يبدو من العرض فان الكاتب جمعة علي استند في مسرحيته على حكاية بسيطة لكنها حملت دلالات واشارات عميقة نقلت التفكك الى الاسري الى اطاره العام في مجتمع يرى الكاتب انه استسلم لكل شيء وافد ووارد عليه في مقابل تغافل العادات والتقاليد والانسلاخ من الهوية.. وبالرغم من ثقل هذه الاطروحة الا ان المخرج الشاب عبدالرحمن الملا استطاع ان يدير مفاصل فرجته المسرحية في مناخ مشبع بالكوميديا، الامر الذي سهل من عملية التعاطي مع هذه السياقات.
فحكاية عيلة فاصلة تتمحور حول بيت يسكنه ثلاثة اخوة مع زوجاتهم واولادهم لكنهم يبحثون عن ورقة يعتقدون ان والدهم الراحل قد تركها لهم وفيها الورث الذي سيجلب عليهم السعادة والرخاء والاموال الطائلة، هذا الانشغال بالبحث عن هذه الورقة لدى العم (عيسى) شقيق والدهم المقعد، جعلهم يتغافلون ما يجري وما يحدث في هذا البيت، حينما تطغى الانانية على كل فرد منهم، ويبدأ بالتفكير في مصالحة الشخصية بعيدا عن الاسرة.
فيما يبقى على الجانب الآخر (عيسى) العم والذي جسده الفنان جمال السميطي وكمن يحمل سر هذا الارث المنتظر.. لكن في النهاية يشهد الجميع تفكك الاسرة واختراق حركة البيت من الوافدين والاجانب وحصار الاسئلة التي يواجه بها العم المقعد حول حقهم في ارث ابيهم.. يعلن (عيسى) المقعد الذي يتنقل على كرسي متحرك، ان وصية الاب هي الحب، هي الاصالة، هي المحافظة على كيان الاسرة وكيان البيت الذي يجمع الجميع تحت سقفه. وان الارث هو معنوي بالدرجة الاولى.
تألق الممثلون في اداءاتهم التي تنوعت على مدار مشاهد المسرحية وبرزت الممثلة بدور وهي تلعب دور الابنة التي تدعي السذاجة من اجل ان تساير الجميع وتتخلص من ضغط والدها الذي يريد تزويجها برجل غريب طمعا في امواله.
واستطاعت بدور ان تكشف عن جانب مهم في ادائها الكوميدي وهي الممثلة الحاصلة على جوائز عديدة في مهرجانات محلية في ادوار تراجيدية، كما يكشف الممثل احمد اسماعيل عن موهبة فريدة ايضا تنبئ بمستقبل مهم على خشبة المسرح، وكذلك الفنان عادل سبيت، اما الممثل ناجي جمعة، وبالرغم من انه يمتلك خبرة جيدة في هذه النوعية من الاعمال الجماهيرية، الا انه هذه المرة يقدم اداء استثنائيا، برزت فيه طاقاته وتنويعاته على الاداءات وكأن من ركائز العرض واحد اللاعبين المهمين في مشاهد حملت مفارقات كوميدية عالية.
