الفن.. مفهوم يتعدى فهم الذات أحيانا، ليصل إلى فكرة استثمار الكون في تحقيق فضول إنساني أو إشباع غموض بأبعاد إنسانية وفنتازيا مجهولة، الفن التشكيلي يتوج كعادته بمخاض الولادات المجنونة لذلك الخيال الواسع والقدرة البشرية في تحويل الأشياء المحيطة واستثمار الطبيعة لخلق أسئلة وأجوبة لأبواب مواربة نحو البحث عن الجمال في الحقيقة.

عالم البحر المحكوم بمسافة البر، تعبير آخر يخفي عنا قصص وحكايات في أعماقه. الفنانة الإماراتية ميسون آل صالح التي بدأت بحكاية (الجانب المشرق من العظام ) في معرضها الأول وحاكت رمزية العظام من الموت إلى الحياة، كونه أساسا في معظم التكوين. تستمر حاليا في تبني البحر في معرضها القادم في ديسمبر الذي يتبنى فكرة الغوص والرسم تحت الماء، لتتحول رغبتها في معرفة تبعات مهنة الغوص قديما إلى رسم لوحة فنية بقصص من قاع البحر.

مكنونات الفكرة

تقول ميسون آل صالح : ( توصلت لفكرة الرسم تحت الماء من خلال رغبتي الملحة في تلمس تفاصيل معاناة الغوص والكيفية في إحداث هذا الفعل قديما، لأتوصل بعدها أن ما يخبئه القاع أكثر بكثير من مجرد لؤلؤ). هنا تعبر ميسون عن مكنونات الفكرة التي بدأت برغبتها بالتعرف على مهنة الصيد والخوض فيها بأفكار فنية، لتصل بعدها إلى الجانب الآخر للبحر وما يحتويه من قصص لحالات غرق سفن و طائرات وأشخاص وتتخذ منها منهجية جديدة في إعداد العمل الفني.

 

منهجية العمل

بدأت آل صالح فكرة الرسم تحت الماء عن طريق التدريب والحصول على رخصة الغوص تحت البحر، لتكون الخطوة الأولى في تحقيق العمل، لتستكمل بعدها البحث المتواصل عن أهم السفن الغارقة في المنطقة وأشهرها سفينة " دارا "، وقالت آل صالح حول مسألة البحث عن دارا: أنها تدعى " تايتنك الخليج"، وكما هو معروف أنها الرحلة الأخيرة للسفينة البريطانية التي تعرضت للغرق عام 1961، حيث ما زال حطامها جاثماً في قاع مياه الخليج مقابل سواحل أم القيوين منذ 49 عاماً. مضيفة أن السفينة عملت قرابة 13 عاماً على نقل الركاب والبضائع بين الهند وموانئ الخليج، حيث وقع لها حادث تسبب بغرق 819 راكباً من المواطنين والخليجيين والهنود والباكستانيين. وأرادت فعليا أن تشكل منها منحنى للكشف عن نواح فنية وإنسانية عديدة.

تحديات

فكرة أن ترسم تحت الماء تقودنا إلى رغبة محلية في معرفة طبيعة المواد المستخدمة في العمل الفني، لتجيب آل صالح " أنها أسرار الفنان في تكوين مواده الخاصة للعمل " مبينا أنها أعدت مواد خاصة وألوانا معينة تستطيع من خلالها العمل بها تحت الماء. بالإضافة إلى إشراكها لفكرة الهياكل من جديد يغطيها طبقة جلد شفافة كما وصفتها في بعض الأعمال. مضيفة أنها صممت لوحة مخصصة تأسيسية لترسم بها تحت الماء. لتضيف أنها عملت على إضافات نوعية على السطح بعد إنهاء رسمها تحت الماء.

معبرة أنها مرت بالعديد من المواقف أثناء البدء بالعمل في اللوحة الفنية تحت الماء ومنها تعرضها لضيق في التنفس والاختناق في أكثر من موقف، موضحة آل صالح أن الغوص في البحر يحتاج إلى كفاءة عالية وانتباه وسرعة بديهة بحيث يتعامل مع القاع بحرية من خلال فهمه للتقنيات، فكما هو معروف أن هناك زمنا محددا للعمل تحت الماء محكومة بنسبة الأوكسجين الموجود في الأسطوانة حيث لا يستطيع فيها الشخص الاستمرار تحت الماء بما يتجاوز 40 إلى 50 دقيقة وإلا أصيب بالاختناق، كما أن القاع يحتوي على العديد من التيارات التي وجب عليه الانتباه عليها أثناء العمل في اللوحة. مما يشكل تحديا فعليا واجهته ميسون مما عمل على تأخرها في إنهاء اللوحات، حيث تضطر أحيانا لوقف العمل و الخروج من البحر.